سلكوا أشرف وأصدق الطريقين في إثبات الواجب سبحانه ، أمّا الطريق الأوّل فهو إثبات الواجب بواسطة الممكن ، وهذا ما جرى عليه المتكلِّمون والحكماء في جميع الأدلّة السابقة ، وأمّا الطريق الآخر فهو الاستدلال به تعالى عليه ، وهذا ما جرى عليه هؤلاء الحكماء الإلهيّون الصدِّيقون على حدّ تسمية ابن سينا لهم فيكون طريق الصدّيقين إلى المقصود هو عين المقصود « 1 » .
يقول الحكيم الطوسي في شرح التنبيه : « ولمّا كان طريقة قومه « 2 » أصدق الوجهين وسمهم بالصدِّيقين فإنّ الصدّيق هو ملازم الصدق » « 3 » .
هذا وقد قُرّب هذا البرهان بعدّة وجوه سنحاول لمّ أطرافها بوجه واحد نُبسط فيه القول .
تقدّم في أكثر من مورد أنّ هنالك واقعية ثابتة بالوجدان ، وأنّ هذه
الواقعية الخارجية بناءً على أصالة الوجود هي الوجود لا الماهية ، وأنّ هذا الوجود العام لا الوجود الخاصّ بكلّ فرد وجود واحد صرف لا ثاني له ، والصرافة هي البساطة وعدم التناهي ، ولذا فالصرف لا يتثنّى ولا يتكرّر لأنّ التثنية والتكرار تعنيان الابتداء والانتهاء والمحدودية وعدم الإطلاق ، وهذا خلف كونه حقيقة واحدة مُطلقة ، ومن الواضح أنّ الحقيقة الواحدة لا يخلطها شيء آخر .
ولازم ثبوت هذا الوجود الصرف وجوبه ، وهذا الوجوب إمّا أن يكون بالذات أو بالغير ، وعلى الأوّل يثبت المطلوب ، وعلى الثاني يلزم منه خلف
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 13 .
( 2 ) أي : طريقة الحكماء الإلهيّين .
( 3 ) الإشارات والتنبيهات ، مصدر سابق : ج 3 ص 67 .