تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
فالنبيّ موسى عليه السلام معصوم وقد منحه الله تعالى قوّة بدنية تمكِّنه من تفتيت الحصى بيده وغير ذلك ممّا أيّده الله تعالى به ، إلّا أنّه مع هذه المنح الإلهية الفريدة التي قد تجعله غنيّاً عن الناس أجمعين نجده يقرّ بفقره إلى الله تعالى ، وكأنّه عليه السلام يريد القول : بأنّني مهما أُعطيت سوف أبقى فقيراً محتاجاً إليك ؛ وما ذلك إلّا لأنّ الفقر الذي يتّصف به حقيقيّ دائميّ أبديّ ، فهو حقيقة الإنسان في ظاهره وباطنه وفي علنه وسرّه . وهنالك معان أُخرى منها ما هو أرفع وأسمى ممّا تقدّم ذكره وهو المعنى العرفاني للفقر ؛ يقول صاحب « اللطائف » : « الفقر هو البراءة من الملك ، وعُني به الخلوّ التامّ عن جميع آثار الكثرة والانحرافات وأحكام العادات والمرادات الخلقية والحقّية بحيث يصير القلب تقيّاً عن جميع الآثار الكونية نقيّاً عن أحكام القيود الظاهرية والباطنية بالانخلاع عن جميع آثار الغير والغيرية حتّى عن رؤية ذلك الخلق . . . » « 1 » . ولو تأمّلنا جيّداً في الآية الكريمة الآنفة الذِّكر لوجدنا فيها إشارة حكيمة إلى ذلك المعنى العرفانيّ الرفيع . فكأنّه عليه السلام أراد الإشارة بقوله : إنّي لِمَا أَنْزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ بأنّي على ما متّعتني به من قوّة روحية وفكرية وبدنية تبقى حقيقة هي الكائنة والماثلة أمامي لمشاهدتي إيّاك ، فكلّ ما سواك لا يُلفت نظري ولا يجذب قلبي . وقد لوّح موسى إلى فقريّته الحقّة بعد أن ظهرت فيه قوّة ربّانية مكّنته من رفع حجر على بئر لا يقلّه إلّا عشرة رجال ثمّ سقى لقوم دلواً ولابنتي
هامش
( 1 ) لطائف الأعلام ، مصدر سابق : ص 457 .
معرفة الله — صفحة 363 | السيد كمال الحيدري