تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
هذا مع أنّ الحكمة المتعالية يمكن أن يُستفاد من خطوطها العامّة ومن مقوّمات منهجها البحثيّ القائم على أساس العقل والنقل والكشف أنّها قد انطلقت أيضاً من مفروغيّة وجوده سبحانه وتعالى ، لاسيّما وقد عرفت أنّهم يرون القرآن مصدراً وطريقاً للوصول إلى النتائج الفلسفية ، وهو ما يوافق منهجية القرآن كما هو واضح . وعلى أيّ حال فإنّ هذا النوع من الاستدلال البرهان الإنّي يحتاجه طبقة من الناس لاسيّما الذين استحكم أُنسهم بعالم المادّة فتعسّر عليهم أن يتعقّلوا العلّة قبل معلولها ، وأمّا أولئك الذين أشرقت أنفسهم فإنّهم يستدلّون بغناه تعالى على فقرهم ، وبظهوره تعالى على ظهورهم . قال الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام : « كيف يُستدلّ عَلَيْكَ بما هو في وجوده مفتقر إليك » « 1 » ، وكأنّه عليه السلام أراد القول بأنّ الغنيّ سبحانه غنيّ عن الدليل أيضاً فلا يحتاج حتّى إلى الدليلية عليه ، فكلّ ما سواه فقير محتاج إليه . جديرٌ بالذِّكر أيضاً أنّ ما أسلفناه من كون الفقر صفة عينيّة للوجود الفقريّ فيكون احتياجه للغنيّ دائماً وأبداً إنّما هو اصطلاح حِكميّ استفادته مدرسة الحكمة المتعالية من ظواهر جملة من الآيات والروايات فأثارت سقفاً معرفيّاً دقيقاً من دفائن وبواطن تلك الظواهر . ولعلّ خير شاهد قرآنيّ يمكن استفادة الاصطلاح الحكميّ المتعالي منه أعني : عينيّة صفة الفقر للموصوف هو قوله تعالى : فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ « 2 » .
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة ، مصدر سابق : ج 3 ص 1907 ح 12411 . ( 2 ) القصص : 24 .