وأمّا تقريب البرهان ( الغنى والفقر ) فهو قريب جدّاً ممّا تقدّم في برهان الإمكان والوجوب ، فلو أخذنا أيّ عيّنة من الواقعية الخارجية الثابتة بالوجدان وبالفطرة السليمة فإنّها إمّا أن تكون غنيّة فيثبت المطلوب وإمّا أن تكون فقيرة فتحتاج إلى غنيّ تتحقّق به ، وإلّا لم يعد الوجود الفقريّ فقريّاً ، وهو خلاف الفرض . فالوجود الفقريّ كاشف إنّيّ عن علّته وهو الوجود الغنيّ فيثبت المطلوب ، دون الحاجة إلى فرض الوقوع في التسلسل أو الدور والاضطرار إلى إبطالهما في رتبة سابقة على البرهان .
إنّ إثبات الغنيّ في مدرسة الحكمة المتعالية والذي يوافق الواجب في مدرسة المشّاء لا يحتاج إلى إبطال الدور والتسلسل سلفاً وقد تقدّمت الإشارة « 1 » لأنّ الوجود الفقريّ لا يمكن أن يكون متقوّماً بوجود فقريّ آخر لننقل الكلام إليه ؛ لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه ، فلا يصحّ فرض أو احتمال وجود فقريّ آخر علّة للأوّل وإلّا لزم انقلابه إلى وجود غنيّ ، وهذا
خلف فرض فقريّته ، ولذا فعِليّة وجود فقريّ لآخر مثله سالبة بانتفاء الموضوع ، وبذلك لا يبقى مجال لوقوع التسلسل أو الدور ؛ ما يعني أنّ برهان الغنى والفقر مبطل للدور والتسلسل بنفسه ، أو بالأحرى : أنّه مبطل للاحتياج إليهما في إثبات مطلوبه .
فتلخّص أنّ هنالك فروقاً أساسية بين برهان الإمكان والوجوب ، وبرهان الغنى والفقر على صعيد المقدّمات وعلى صعيد النتائج .
أمّا على صعيد المقدّمات فهي :
1 إنّ الإمكان والوجوب هما وصفان للماهية ، وأمّا الغنى والفقر فهما
هامش
( 1 ) في برهان الإمكان والوجوب .