الفقريّ ليس أمراً عارضاً وإنّما هو عين ذاته وحقيقته وكُنه وجوده ، كما أنّ الغنى ليس وصفاً عارضاً على الوجود الغنيّ بل هو عين ذاته وحقيقته وكُنهه .
وبناءً على ذلك فإنّ الوجود الفقريّ لا يخرج عن سقف افتقاره أبداً مهما أحرز من كمالات المطلق ونال أرفع درجات القُرب ، كما أنّ الوجود الغنيّ لا يضرّ به العطاء أبداً ، وكيف يضرّ به العطاء وهو مالك الكلّ وإليه يرجع الكلّ ؟ !
ولا ريب أنّ هذا المعنى الذي تُقدِّمه لنا مدرسة الحكمة المتعالية لمفهومي الغنى والفقر لهو معنىً دقيق وعميق وهو أن يكون الوصف عين الموصوف والموصوف عين الصفة ، وهذا بخلاف ما هو مرتكز في ذاكرة العُرف ، فإنّ الغنيّ عندهم يمكن سلب غناه عنه فيعود فقيراً ، كما أنّ الفقير يمكن سلب فقره بالغنى فيصير غنيّاً ، وأمّا في برهان الغنى والفقر فإنّ سلب الغنى أو الفقر يؤدّي إلى سلب الموجود نفسه لا مجرّد سلب الصفة عنه ، وشتّان بين هذا المعنى الرفيع الدقيق وبين ذلك المعنى العرفيّ المتداول .
ويترتّب على هذين المعنيين المختلفين العرفيّ والمتعالي ثمرات مهمّة من أهمّها اختصار مفردات عملية الإعطاء من خمس : « المُعطي ، والمُعطى إليه ، والمُعطى ، والإعطاء والأخذ » إلى مفردتين فقط هما « المُعطي والمُعطى » ، وهاتان المفردتان هما تعبيران آخران عن الغنيّ والفقير . فالمُعطي هو الوجود الغنيّ ، والمُعطى هو الوجود الفقريّ ؛ لِما عرفت من أنّ الفقير قبل إعطائه الوجود لا وجود له البتّة ، فترتفع بذلك مفردتا المُعطى إليه والآخذ من قبله ، كما أنّ المُعطى والإعطاء شيء واحد لا شيئان ، فتعود عملية الإعطاء إلى مفردتين أساسيّتين ، وهاتان المفردتان هما تعبير آخر عن العلّة والمعلول .
معرفة الله — صفحة 357
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٧