وجدران الغفلة يمنعان كثيراً من بني الإنسان عن رصد آياته « 1 » وقطف ثمار معرفته ، حتّى تكاد تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق « 2 » .
ولذلك احتاجت إراءتنا إلى إيقان وإبصار ؛ قال تعالى : وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ « 3 » .
فهذه الآيات الثلاث لا علاقة لها البتّة بالبحث الوجودي لله تبارك وتعالى ، وإنّما هي مورد لوحدانيته تارةً ولمعرفته تارةً أخرى .
وأمّا تلك الحقيقة الحقّة ( وجوده تعالى ) فقد انطلق القرآن الكريم من مبدأ وأصالة المفروغية عنها سواء في لحاظ مضامينه ومرتكزاته الأساسية أو في إطار إدراك ومعتقدات الناس أجمعين . ولعلّ من أبلغ الإشارات إلى هذه المفروغية المعرفية بلحاظيها قولَه تعالى : أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ « 4 » ، وبمراجعة يسيرة نجد أنّ المشركين على شركهم وكفرهم
يقرّون بوجود الله تعالى ويُصرّحون بأنّهم إنّما يعبدون ما سوى الله تعالى ليقرّبوهم إلى الله زلفى ؛ قال تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى « 5 » . ولأجل كلّ ذلك نجد القرآن
هامش
( 1 ) لا يراد برصد الآيات في مستواها الظاهريّ ؛ فذلك مرئيّ حتّى للدوابّ فضلًا عن الإنسان ، بل يراد به ما بعد الظاهر منها سواء ما تعلّق بحقيقة الارتباط بينها ، أو بحقيقة نفسها ، أو بكونها المحمول المرئيّ أوّلًا بحسب الظاهر وموضوعه المرئيّ ثانياً وجود الله سبحانه ، أو بكونها الموضوع والمحمول معاً فتكون شأناً من شؤونه ، فيكون مشهوداً في الشاهد عليه أوّلًا وبالذات ولا مشهود غيره .
( 2 ) الحجّ : 31 .
( 3 ) الذاريات : 21 20 .
( 4 ) إبراهيم : 10 .
( 5 ) الزمر : 3 .