الله تعالى كأصل موضوعيّ مفروغ عنه ، فلم يقف عنده إلّا موقفاً واحداً أثار فيه سؤالًا استنكاريّاً حول القضية لا سؤالًا استفهاميّاً ، وهو قوله تعالى : أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ « 1 » ، ومعنى الاستنكار هنا هو كون الشكّ فيه تعالى يُفضي إلى الشكّ في أصل الوجود الإمكاني وهذه الواقعية الحسّية المرئية التي لا يمكن أن ينكرها إنسان ذو فطرة سليمة كما هو واضح .
لذا قرن الله تعالى وجوده المقدّس بأهمّ شواخص عالم الإمكان الحاضرة حسّاً وهي السماوات والأرض ، وكأنّ الآية تريد القول : كيف يتسنّى لأحد الشكّ بالله تعالى وهو يرى نصب عينيه السماوات والأرض ؟ ألا تحتاج هذه الموجودات إلى فاطر خالق لها ؟
إنّه سؤال استنكاريّ يُراد منه إرجاع الشاكّ إن وُجد إلى فطرته ووجدانه ، ولذلك لم يفترض القرآن الكريم في جميع آياته وفي جميع مراتبه عدم وجود الله تعالى أو افتراض غيابه سبحانه ليبحث وجوده أو يقدّم دليلًا على ذلك وإنّما كان ينطلق دائماً من مفروغية وجوده تعالى ليبحث بعدها في وحدانيّته ومعرفته الحقّة ، فنجده يُقدِّم لنا تارةً دليلًا يخاطب به العقول ليقودها إلى الإقرار بوحدانيّته ، من قبيل قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ « 2 » ، وتارةً
أخرى يقدّم لنا دليلًا للوصول إلى معرفته ، من قبيل : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ « 3 » ، ولكن ريح الشكّ
هامش
( 1 ) إبراهيم : 10 .
( 2 ) الأنبياء : 22 .
( 3 ) فصّلت : 53 .