بعبارة فنّية : إنّه يسأل ويبحث في محمولات القضية لا في موضوعها ، فلا يوجد عنده إبهام في أصل الموضوع وهو وجوده تعالى « 1 » ، إلّا من خُولط في عقله أو ركن إلى أقيسة غُولط في مقدّماتها فانتخب له ما هو مخالف للفطرة ، فيظلّ يعيش صراعاً عميقاً إلى أن ينتهي به المطاف إلى تصحيح ما فاته ، أو العناد بعد حصول اليقين له ؛ قال تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ « 2 » وأيّ فساد أعظم من حجب النفس عن اتّباع الحقّ والإصغاء لنداء الفطرة ؟
وعلى أيّ حال ، فما دامت الأسئلة المثارة تصبّ في دائرة المحمول ، فإنّه ليس من المنطق بمكان أن يُرجع القرآن الكريم مخاطبه الإنسان إلى المربّع الأوّل والخطوة الأولى ، ولذا فهو يسير معه سيراً معرفيّاً يوافق فيه خزينه
الفطريّ الذي يستوي فيه الجميع ؛ ما يعني تجاوزه للمسألة الأولى أو الحقيقة الأولى التي وقف عليها الإنسان بنفسه وهي أصل وجوده تعالى .
ولذلك نجد القرآن الكريم قد تعامل مع هذا الأمر الوجداني وجود
هامش
( 1 ) وربّما لأجل ذلك لم يصحّ التقليد في هذه المسائل ؛ لأنّ الاجتهاد والتأمّل فيها لا يحتاج إلى عناء وجهد كبيرين . فجميع مقدّمات أقيستها فطرية في متناول الجميع ، فلا معنى أن يُقلّد فيها بعضنا الأخر ، فمن أراد الرجوع فيها إلى غيره يكون قد استخفّ بعقله ونفسه .
( 2 ) النمل : 14 .