وأمّا الفارق الآخر فإنّه يكمن في اعتماد المناهج العقلية على مقدّمات واصطلاحات خاصّة بهم في حين إنّنا نجد القرآن الكريم يعتمد الخطابات المباشرة وذات النَفَس العرفي مع الناس ، ويضرب الأمثلة لهم مخاطباً بذلك وجدانهم وفطرتهم ومرتكزاتهم الأوّلية التي لا يغفل عنها إلّا من صدئ قلبه ، فكانت الأمثلة مادّة أوّلية في إثبات مطالبه ، وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ « 1 » ، فهي دعوة للتفكّر في جملة منها ، وفي جملة أخرى للتذكّر وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 2 » ، وأحياناً لتنبيه العقلاء وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ « 3 » .
وحيث إنّ المخاطب الأوّل في البيانات القرآنية هو الإنسان فإنّه هو المقصود بالتفكّر والتذكّر والتعقّل ، فيكون بذلك قد أُعطي له كلّ ما يحتاجه في مسيرته المعرفية ، وقد نبّه القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل . . . « 4 » أي : بيّنا للناس من كلّ مَثَل يحتاجون إليه « 5 » .
ولا ينبغي الإغفال عن كون الأمثلة القرآنية في المعارف الإلهية تستبطن
أدلّة عقلية قطعية مُحكمة لم تظهر بمفردات واصطلاحات حِكمية أو كلامية ؛ لحكمة عظيمة وهي أنّ القرآن الكريم لم ينزل إلى طبقة خاصّة من
هامش
( 1 ) الحشر : 21 .
( 2 ) إبراهيم : 25 .
( 3 ) العنكبوت : 43 .
( 4 ) الكهف : 54 .
( 5 ) انظر : التبيان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ص 59 .