تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
الكاملية ، فإنّها تعبير آخر عن نفس معرفة الله تعالى ، ولذا لا توجد اثنينية في المقام بين معرفته الحقّة وبين توحيده الحقّ . وبناءً على ذلك فإنّ كلّ من لم يعرفه حقّاً لم يوحّده حقّاً ، وكلّ من لم يوحّده حقّاً لم يعرفه حقّاً أيضاً ، فيكون العكس هنا لغوياً لا منطقياً « 1 » ، فانتبه . إذاً فما دوّنه أصحاب الفنّ والصناعة في إثبات الواجب وتوحيده من أدلّة عقلية ونقلية ، لا صلة لها ببحث معرفة الله تعالى إلّا في حدود ضيّقة جدّاً ، فتكون مقدّمة أو خطوة مهمّة نحو تحصيل المعرفة بالله تعالى لا أنّها تكفل لنا معرفته ؛ فإنّ إثبات وجود الشيء هو غير المعرفة به ، كما أنّ إثبات وحدانيّته هو غير المعرفة الحقّة به أيضاً ، فإنّ كلّ إنسان منّا يعلم جيّداً أنّه موجود وأنّ وجوده واحد في هذه الدنيا فليس له وجود آخر في عالم المادّة ، ولكن هذين العلمين لا يغنيانه عن معرفة نفسه وما أقلّ العارفين بأنفسهم ! سواء على مستوى الظاهر ، أي : معرفة التركيبة العضوية المادّية له ، أو على مستوى الباطن ، أي : وجوده الروحيّ المجرّد وصورته الباطنية ولذا نجده متخبّطاً في استخدام قواه المادّية والروحية بشكل لافت للنظر . وبذلك نخلص إلى أنّ أدلّة المتكلِّمين وبراهين الفلاسفة الإلهيّين من برهان النظم حتّى برهان الصدِّيقين لا تخرج عن إثبات المطلب الأوّل وهو إثبات الواجب تعالى ، أي : إثبات وجوده ، لا معرفة حقيقة وجوده المقدّس ، وإن كانت أدلّتهم قد عنونت أحياناً بعناوين تُشير إلى معرفته تعالى
هامش
( 1 ) تنعكس القضيّة الموجبة الكلّية بالعكس المستوي إلى موجبة جزئية ، من قبيل : كلّ ذهب معدن ، فإنّ عكسها المستوي هو : بعض المعدن ذهب . وأمّا العكس اللغوي فالقضية المنعكسة تحافظ على كمّها ، فنقول مثلًا : كلّ موحِّد حقيقي هو عارف بالله تعالى ، وكلّ عارف بالله تعالى هو موحِّد حقيقي .
معرفة الله — صفحة 333 | السيد كمال الحيدري