وشخصت لها العيون ، وهي حقيقة معرفة الله سبحانه .
رغم ما اكتسبه بحث « إثبات الواجب جلّت قدرته » من أهمّية عظيمة حتّى عُدَّ الأُسّ الحقيقي والنواة الأولى في أصل الأصول العقدية وهو التوحيد ، وأنّ كلّ ما عداه من أبحاث إنّما هي أبحاث طولية تتسلسل في أعقاب بحث إثبات الواجب سبحانه وكذلك بحث أصل الأصول ( التوحيد ) ، إلّا أنّهما ( أي : إثبات الواجب وتوحيده ) لا يكادان يرتقيان إلى البحث الذي نريد إبرازه وعرضه في مجموع أبحاث هذا الكتاب ( معرفة الله ) والذي شاء الله تعالى وكان من محاسن توفيقاته أن يُسمّى بهذا البحث المعظّم وهو معرفة الله سبحانه ، والذي يمكن أن نُعبِّر عنه بأنّه يمثِّل حقيقة الأصول برمّتها .
إنّ إثبات وجود الله ما هو إلّا خطوة يسيرة « 1 » في طريق معرفته سبحانه ، كما أنّ إثبات وحدانيّته ما هو إلّا خطوة أخرى أيضاً نحو معرفته تعالى ولكنّها أكثر إشراقاً وقوّة وقرباً إلى معرفته ، ولكن مع كلّ ذلك فإنّهما خطوتان لا تكفلان لنا تحقيق الهدف الأسمى والمطلب الأجدى والذي من أجله خُلق الخلق بأسره « 2 » وهو معرفة الله سبحانه .
إنّ من يعرف الله سبحانه لا يمكن أن يعصيه طرفة عين أبداً . فالعصيان أيّاً كانت أسبابه مرجعه إلى الجهل بمن يُعصى ، ولذلك تجد أهل العصمة
من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام لم يعصوا الله طرفة عين أبداً ؛ لأنّهم عرفوه
هامش
( 1 ) عُبّر عنها باليسيرة رغم أهمّيتها وضرورتها لأنّها لا تحتاج إلى جهد كبير ، فإثبات الواجب أمرٌ مفروغ منه وكفى بالفطرة شاهداً وشهيداً .
( 2 ) إشارة إلى الحديث القدسيّ المشهور : « كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لأُعرف » . انظر : شرح أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 22 .