تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
فخافوه حقّاً وآمنوا به صدقاً وأطاعوه حبّاً ، ووضعوا ما اشتُرط عليهم نُصبَ أعينهم وقابلوه بالوفاء « 1 » . وكفى دليلًا على اقتران المعرفة بالطاعة التامّة دون أن يكون للمطلبين السابقين ( إثبات الواجب وتوحيده ) ذلك ، هو أنّ السواد الأعظم من البشر يقعون في المعصية حتّى المؤمنين منهم ، فيتوب المؤمن ويُعاند غير المؤمن ، مع أنّ جميع المسلمين بل جميع الموحِّدين أيّاً كانت ديانتهم يقرّون بوجود الله تعالى ويلتزمون بوحدانيّته وخالقيّته لنا ووجوب إطاعته عليهم . فلا الإقرار بوجوده سبحانه يقي الإنسان من الوقوع في المعصية ولا حتّى الإقرار بوحدانيّته سبحانه . وأمّا معرفته سبحانه فهي الدرع الواقي والحصن المنيع تقي العارف به من الركون لنفسه وتجعله معلّقاً بعزّ قدسه . فلا يغترّ طالب المعرفة الحقّة بكثرة الأدلّة وتنوّع البراهين على إثبات الواجب ولا يغترّ بكثرتها على توحيده وإن أحكمها ، ما لم يوصله ذلك إلى معرفته حقّاً . فمعرفة الحقّ سبحانه هي المؤشّر الحقيقي والكاشف الإنّي عن الاعتقاد بأصل وجوده تعالى وتوحيده ، وإلّا فما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج « 2 » !
هامش
( 1 ) ورد في دعاء الندبة ما هو قريب من هذا المعنى : « اللّهمَّ لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المُقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقرّبتهم . . . » . انظر : مفاتيح الجنان ، مصدر سابق : ص 606 . ( 2 ) إشارة إلى أنّ كثرة الأدلّة وحدها لا تُجدي الإنسان نفعاً ما لم يتحقّق بالمعرفة ويصير عارفاً بالله تعالى . فبالمعرفة الحقّة يكون الإنسان موحِّداً حقيقيّاً ، ومن ثمّ فضعف المعرفة به تكشف عن حجم دائرة توحيده .
معرفة الله — صفحة 331 | السيد كمال الحيدري