قصدها وإن كان لا يحتاج في رتبة سابقة إلى دافع لتحصيل هذه المعرفة الضرورية لأنّ مطلوبيّتها أمر فطريّ جُبِلَ عليه الإنسان ، إلّا أنّه يحتاج إلى تدقيق وتحقيق وتأمّل في تحديد الوجهة والطريق الذي يسلكه والبوّابة التي يدخل منها إلى كمالاته المُشيرة إلى الكمال المطلق .
إنّ البحث في طرق معرفة الله سبحانه ليس بحثاً ترفيّاً أو تكميليّاً أو استطراديّاً أو ثانوياً بل هو بحث أساسيّ وتأسيسيّ وأوّليّ ؛ نظراً لعدم وجود فاصلة بين الطريق والغاية سوى تحقيق السير لتبدأ رحلة التحقّق في المسير فيه .
وحيث إنّ المقدّمات تستمدّ أهمّيتها من أهمّية ذي المقدّمة ، فلا شكّ في أنّ طرق معرفة الله تعالى لها من الأهمّية القصوى بما لا يحتاج معها إلى البيان ؛ اكتفاءً بإدراك أهمّية وضرورة معرفة الله سبحانه .
الفرق بين إثبات الوجود ومعرفة الموجود
جرت سيرة العلماء « 1 » في تنظيم أبحاثهم وتصنيفاتهم العقدية والفلسفية أن يقفوا طويلًا عند أبحاث إثبات الواجب « 2 » أو الصانع « 3 » أو الخالق بحسب اختلاف اصطلاحاتهم حتّى أُلّفت رسائل وكتب ومُجلّدات في ذلك ، ولم نجد في الأعمّ الأغلب منها ما يشير إلى الحقيقة
الأخرى التي حارت فيها العقول ، وتولّهت فيها القلوب ، وانعقدت فيها الألسن ،
هامش
( 1 ) المراد بهم خصوص علماء الكلام والفلاسفة الإلهيّين بمختلف مدارسهم مشّائين ، وإشراق ، وأصحاب الحكمة المتعالية ومن التزم بمناهجهم .
( 2 ) إشارة إلى الحكماء الذين عادةً ما يُعنونون البحث بإثبات الواجب .
( 3 ) إشارة إلى علماء الكلام الذين عادةً ما يُعنونون البحث بإثبات الصانع .