والإخلاص له ، ولذا قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ . . . « 1 » ، فكلّ شخص أقام وجهه لغير ذلك يكون فاقداً لهويّته « 2 » القرآنية ، أعني : التوحيد الحقّ الذي عُبّر عنه بالصبغة والفطرة .
الإنسان بين حدّه المنطقي والقرآني
تقدّم أنّ أرفع المراتب المعرفية التي يمكن أن يتحقّق أو تحقّق بها موجود إمكانيّ هو الإنسان الكامل بحدّه القرآني ، وهنا نودّ أن نقف قليلًا عند هذا المطلب الشريف لنعرف الجهة المنظورة في الإنسان الكامل ومقدار
ما يتميّز به عن سائر أفراد نوعه وهو نوع قائم برأسه في تركيبته الحقّة ، وهذا يستدعي بدوره الوقوف جلياً على الحدّ المنطقي للإنسان ، والجاري على الألسن عادةً ، لنخرج بجلوة نستبين من خلالها مطابقياً المصداق الحقّ للإنسان وحدّه القرآني ، وتلازميّاً مقدار المسامحة في الحدّ المنطقي للإنسان .
يرى المناطقة أنّ حدّ الإنسان التامّ هو كونه حيواناً ناطقاً ، ويعنون بالحيوانية الحيّ المتحرّك إراديّاً ، فيخرج بذلك كلّ من النبات والجماد فهما قد يتحرّكان ولكن اضطراراً « 3 » ، وأمّا الناطقية فهي مفهوم حاك عن حركة الفكر في إدراك الكلّيات لا عن حركة اللسان التكلّم أو النطق بالألفاظ وإن كانت تحكيها بمعناها اللغويّ ، وبهاتين الحركتين الفكرية واللسانية تخرج سائر أفراد الحيوان الأُخرى كالفرس والأسد والطير . . . الخ .
هامش
( 1 ) الروم : 30 .
( 2 ) التعبير بالهويّة إشارة منه إلى الوجود في قبال الماهية .
( 3 ) كحركة أغصان الشجرة بواسطة الرياح ، وحركة الحجر بواسطة الدحرجة .