تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
رائحة الإنسان الكامل فضلًا عن الكينونة بكمالاته . بعبارة أُخرى : إنّ الجامع لطرفي المعرفة الحقّة تحقّقاً لا تحقيقاً فحسب يصير وجوده ناطقاً ومُفصحاً بذلك الإقرار ، فالشمس مثلًا لا تحتاج إلى لسان ينطق بإفاضتها للحرارة والضوء ؛ لأنّ نفس وجودها أغنى عن ذلك ، فهو ناطق في كلّ آن بكمالاتها لتحقّقها بالحرارة والضوء ، وذلك التحقّق هو البيان الذي يفهمه الجميع ، وهكذا ينبغي أن يكون عليه الحال في المعرفة الإلهية الحقّة . بعبارة ثالثة : إنّ الأثر الذي تتركه المعرفة الإلهية الحقّة المتقوّمة بالإجمال والإقرار بالعجز التامّ عن معرفته سبحانه تكوينيّ لا مجرّد ألفاظ بالية أو صور ذهنية وجودها « لا يُسمن ولا يُغني من جوع » . وينبغي أن يُعلم أنّ الإقرار بالعجز التامّ عن معرفته سبحانه موكول إلى ما حصل عليه العارف في رتبة سابقة في معرفته الإجمالية لله تعالى حتّى لمن تحقّق بذلك ، فإنّ المعرفة الإجمالية كما عرفت ليست منحصرة بمرتبة واحدة أو بسقف معرفيّ واحد وإنّما هي مراتب طولية تبدأ ولا تنتهي . وبذلك يتّضح لنا أنّ حقيقة الإقرار بالعجز التامّ عن معرفته سبحانه رهن بالمرتبة المعرفية الإجمالية ، فالأنبياء والأوصياء والأولياء والصدّيقون والعارفون جميعاً قد يقرّون بالعجز التامّ عن معرفته ولكنه إقرار تؤخذ في حقيقته كمالات المعرفة الإجمالية التحقّقية السابقة . وبذلك يتّضح لنا مراد الإمام السجّاد عليه السلام حيث يقول في مناجاته الموسومة ب « مناجاة العارفين » : « إلهي قصُرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك ، وعَجزت العقول عن إدراك كنه جمالك ، وانْحَسرت الأبصار دون النظر إلى سُبُحات وجهك ، ولم تجعل للخلق طريقاً إلى