معرفتك إلّا بالعجز عن معرفتك
. . . » « 1 » .
فأشار عليه السلام إلى الألفاظ البالية بقوله : « قصرت الألسن » ، وإلى الصور الذهنية الفاقدة للتأثير بقوله : « وعجزت العقول » ، ثمّ وقف أمام الحقيقة العظمى وهي انتفاء جميع الطرق التي يُظنّ بها الوصول إلى معرفته سبحانه سوى طريق أوحديّ قد أفرزه وجود الحقّ بنفسه وهو الإقرار بالعجز عن معرفته ، فبذلك لا غير يحصل الإنسان على معرفة الحقّ جلّ جلاله .
فالعجز عن معرفة الله سبحانه ليس جهلًا وإنّما هو خلاصة المعرفة الحقّة ، ودون العجز لا سبيل لمعرفته أبداً ، فلا ينبغي الغفلة عنه .
وبذلك نخلص إلى أنّ المُقِرّ بالعجز التامّ عن معرفة الله تعالى على نحو التحقّق لا التحقيق فحسب يكون قد خلُص إلى روح التوحيد . فهو الموحّد الحقيقيّ المُسمّى بالإنسان الكامل ؛ ذلك الوجود المقدّس الذي لم يغادر فطرته الأُولى المجبولة على التوحيد الحقّ الذي به صار الإنسان في أحسن تقويم ، وذلك هو حدّ الإنسان برتبته الوجودية الحقّة ، لا بماهيّته الاعتبارية .
إنّ التعبير القرآني في حدّ الإنسان المُشار إليه بقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم « 2 » هو كونه يُمثِّل صبغة الله تعالى : صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً « 3 » ، وفطرته الأولى التي لا تبديل لها أبداً .
إنّ تلك الفطرة والصبغة تعبيران لمضمون واحد موجبة لتوحيده
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، مصدر سابق : ص 183 ، مناجاة العارفين .
( 2 ) التين : 4 .
( 3 ) البقرة : 138 .