سببية الرتبة السابقة للرتبة اللاحقة
إنّ المراتب المعرفية الطولية ذات علاقة سببية وطيدة ، ولكن لا بمعنى أن تكون المرتبة السابقة علّة تامّة « 1 » للمرتبة اللاحقة وإنّما هي مأخوذة على نحو الشرط الإلزامي في التحقّق .
فإذا كانت أجزاء العلّة الفاعلة ثلاثة هي المُقتضي وتحقّق الشرط وارتفاع المانع « 2 » فإنّ شرطية تحقّق المرتبة اللاحقة من المراتب المعرفية
الحقّة هي تحقّق المرتبة السابقة .
وأمّا المقتضي فهو نفس الاستعداد المُسبق للسالك معرفياً ما دام غير واصل إلى تمام الفعلية « 3 » .
هامش
( 1 ) إذا اشتملت العلّة على جميع ما يتوقّف عليه وجود المعلول بحيث لا يبقى للمعلول معها إلّا أن يُوجد سُمّيت بالعلّة التامّة ، وأمّا إذا اشتملت على بعض ما يتوقّف عليه وجود المعلول سُمّيت بالعلّة الناقصة . انظر : بداية الحكمة للسيّد العلّامة محمد حسين الطباطبائي ، تحقيق عباس علي الزارعي ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة السادسة ، 1419 ه ، قم : ص 111 ، المرحلة السابعة ، الفصل الثاني .
( 2 ) فأجزاء علّة إحراق الورقة مثلًا هي : وجود الاستعداد والقابلية في الورقة للإحراق ، وهذا هو المقتضي ، ووجود النار المحرقة لها ، وهذا هو الشرط ، وعدم وجود رطوبة في الورقة مانعة من إحراقها ، فالرطوبة هي المانع الذي يجب رفعه ، فإذا ما توافرت هذه الأُمور الثلاثة تحقّق المعلول وهو احتراق الورقة .
( 3 ) إنّ جميع الأفعال المرئية أمامنا كانت في رتبة سابقة مجرّد استعدادات محضة ، فالشجرة مثلًا كانت في رتبة سابقة بذرة ، وهذه البذرة تحمل في ذاتها استعداداً لأن تكون شجرة ، فإذا ما حصلت شروط تحوّلها من بذرة إلى شجرة من قبيل وجود الأرض الخصبة والماء والهواء والضوء والزارع لها فإنّ ذلك الاستعداد الذي هو شجرة بالقوّة سوف يتحوّل إلى شجرة بالفعل ، وإذا ما تحرّر الاستعداد من عالم القوّة إلى عالم الفعل / / فإنّه لن يُسمّى استعداداً بعد ذلك وإنّما هو فعل يحمل في ذاته استعداداً آخر يتحوّل بوجود شروطه إلى شيء آخر من قبيل تحوّله إلى غذاء أو دواء أو أثاث ، وغير ذلك .