النكتة الرابعة : وهي ذات صلة وثيقة جدّاً باختلاف المراتب المعرفية ، فباختلافها سوف تختلف مراتب ودرجات التكليف المطلوب امتثاله ، فكلّما ازدادت درجات المعرفة ازدادت درجة العبودية لله تعالى والطاعة له ، أي : ازدادت المسؤولية ودرجة التشبّث بالعمل أكثر فأكثر .
ولا يخفى أنّ هدف الشريعة الإسلامية هو صرف وجهة الإنسان نحو عالم الغيب وتحجيم تعلّقه بالمادّيات .
كما أنّ المناط هو نوعيّة العمل وكيفيّته لا كمّيته ، الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . . . « 1 » ، فعبّر بأحسن ولم يعبّر بأكثر ، إشارة منه سبحانه إلى نوعية العمل لا كمّيته .
ولا يعني ذلك انحصار الزيادة في البُعد الكيفي وإن كان هو المنظور في الأعمال أوّلًا وبالذات ، إنّما الزيادة شاملة للكمّ أيضاً مع حفظ الكيف .
فالزيادة طولية وعرضية ، أي في البُعدين الكيفيّ والكمّي ، ويتّضح لنا
معنىً أدقّ لقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلِّم الناس على قدر عقولهم » « 2 » ، ومن جملة التكليم بيان تكاليفهم ومسؤوليّاتهم . وعنه صلى الله عليه وآله : « إنّما يرتفع العباد غداً في الدرجات وينالون الزلفى من ربّهم على قدر عقولهم » « 3 » ، وما نفهمه من مفردة العقول هو المعرفة ، أي على قدر معارفهم تكون درجاتهم وحسابهم ، أو لا أقلّ أن تكون المعرفة إحدى المعاني البارزة لذلك .
هامش
( 1 ) الملك : 2 .
( 2 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 23 ح 15 .
( 3 ) تحف العقول ، مصدر سابق : ص 54 .