تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
ولعلّ هناك تحذيراً قرآنياً من السعي وراء المعرفة الاكتناهية المحالة يمكن إبرازه كوجه من وجوه قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ « 1 » ، وسرّ هذا التحذير واضح وهو أنّ الساعي وراء ذلك يكون قد أهلك نفسه ، فإنّ كلّ ما يُدّعى الإحاطة به هو غير الله تعالى ، فإذا التزم بما ادّعى معرفته اكتناهاً يكون قد عرف غيره وسمّاه بجهله ربّاً له وصار يعبده ، وهذا هو الضلال المبين والهلاك المطبق . وعليه فدعوى معرفته على نحو الإحاطة والاكتناه هي إقرار بالشرك والكفر ، ولا ريب أنّ من التزم بذلك يكون قد أحاط نفسه بعذاب أليم « 2 » . وبذلك يفهم ما أفاده معظم المفسّرين للآية السالفة الذكر من كون المراد من « نفسه » هو « عذابه » ؛ إشارة إلى ذلك الهلاك المطبق الناتج من دعوى المعرفة الاكتناهية أو السعي وراءها . قال الإمام محمّد الباقر عليه السلام : « كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم » « 3 » .
هامش
( 1 ) آل عمران : 30 . ( 2 ) لأنّ الكفر والشرك لا يُفضيان إلى جهنّم والعذاب فحسب ، وإنّما هما جهنّم وعذاب أليم بذاتهما ، كما أنّ الإيمان والقرب الإلهي هما الجنّة بعينها ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم * وَتَصْلِيَةُ جَحِيم الواقعة : 94 88 . أيّ أنّ المقرّب هو روح وريحان وجنّة نعيم لا أنّه سوف يدخل إلى روح وريحان وجنّة نعيم ، انظر : التربية الروحية ، للسيد كمال الحيدري ، الناشر دار فراقد ، الطبعة السادسة ، 1424 ه ، قم : ص 41 . ( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 66 ، ص 293 .