تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
صدوره لا يوجد مانع عقليّ من تحقّقه ، بل يمكن أن يُستدلّ له بالدليل العقلي ، وذلك باعتماد نكتة في ضوئها يُلتزم بعدم إمكان رؤية ومعرفة الله تعالى وهي شدّة ظهوره ( جلّت قدرته ) فإنّ الخفاء كما يُعزى إلى شدّة ضعف وجود الموجود كذلك يُعزى إلى شدّة الوجود وقوّة الوضوح . ويمكن تقريب ذلك بمثال حسّيّ لا يخفى على الجميع وهو أنّنا عادةً ما نلتفت في رابعة النهار إلى الأشياء القريبة منّا فنقول مثلًا : هذا مسجد وهذا كتاب وذلك شارع وتلك مدرسة وتلك مكتبة و . . . ولكن لا نلتفت عادةً إلى نفس وجود النهار أو الضوء الكاشف عن تلك الموجودات ، وما ذلك إلّا لشدّة وضوحه ، فلو قيل لأحد : عُدّ كلّ ما تراه أمامك فإنّه يذكر جميع المرئيّات له سوى النهار ، وهذا مقبول ومعقول أيضاً لأنّ النهار لشدّة وضوحه تجاوز رتبة الالتفات له ، ولكن الالتفات إليه ممكن جدّاً وواقع بطبيعة الحال . أمّا ما نحن فيه فالصورة وإن كانت قريبة إلّا أنّها مختلفة حيث لا يمكن البتة الالتفات والنظر إليه ( جلّت قدرته ) لشدّة ظهوره ووضوحه بحيث امتنع معها رؤيته حسّاً ، فكان المسانخ لضعف وجودنا غيبتنا عنه رغم شدّة حضوره ! بعبارة أُخرى : إنّ كمالاته المطلقة استحال الوقوف عليها بكمالاتنا المحدودة ، فإذا عرفنا ذلك فمن الطبيعي جدّاً أن يكون كلّ وجود قريب له ، له من الخفاء بقدر قربه ، والذي يعني بحسب واقعه هو أن يكون له من الوضوح والشدّة والظهور ما يمنع من التعرّف عليه بقدر قربه من المطلق .