تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
مرتبة من فهم صاحب الكتاب لكتابه ، وهكذا الحال في معرفتك بوالدك أو بولدك أو بصديق لك فإنّها تختلف من وقت لآخر ، كما أنّ معرفتهم بأنفسهم هي غير معرفتك بهم ما لم تصل إلى المعرفة التامّة بالمقصود لك ، وحيث إنّ المقصودات الإمكانية محدودة غير متناهية بحسب طبيعتها فإنّ الوقوف عليها ومعرفتها تمام المعرفة على نحو الإحاطة بها أمرٌ ممكن بحدّ ذاته ، وإنّما الكلام في الوقوع ، فقد يقع ذلك لجملة من الموجودات الإمكانية حيث تُعرف على نحو الإحاطة بها ، وقد لا يقع ذلك لجملة أخرى من الموجودات الإمكانية ، فالأمر موكول إلى سعة الرقعة الوجودية أو المعرفية التي يتحرّك في ضوئها طالب المعرفة من جهة وإلى سعة الرقعة الوجودية أو المعرفية للمقصود معرفته وإن كان وجوداً إمكانيّاً . فمعرفة المعصوم مثلًا من قبل غير المعصوم متعسّرة ، بل محالة أيضاً ؛ لنكتة بيّنة وهي أنّ السقف المعرفي للمعصوم الذي تحقّق به يفقده غير المعصوم ، وإلّا لم يبق معنى للتمايز . فالمدار كما أسلفنا في المعرفة التحقّقية لا التحقيقية ؛ لما هو ثابت في محلّه من كون معارف المعصوم عموماً معارف حضورية لا حصولية قد حصل عليها في سيره المعرفي الثاني ، أعني : السير من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ، تلك المرتبة المعرفية السامية التي تأوّه لها الأوحديّ في توحيده أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حيث كان يقول : « آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظيم المورد » « 1 » ، إشارة منه إلى أنّ المسير فيه وإليه غير متناه فيكون معه الزاد قليلًا مهما عظُم أُفق السائر معرفياً وزكا سقف رقعته الوجودية . وعلى أيّ حال ، فالمعصوم لا يُقاس به أحد كما لا يُقاس الحضور بالحصول ولا العلم بالجهل ، فلا غرابة بعدئذ عندما نقرأ معاً كلمات
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، نسخة المعجم المفهرس ، مصدر سابق : ص 156 ، رقم الحكمة : 77 .