يعمل وهو على بيّنة من أمره وبين من يعمل وهو على جهالة أو ضلالة من أمره ، ففي معركة كربلاء صلّى الإمام الحسين عليه السلام بأنصاره صلاة الظهر وفي الجبهة الأُخرى صلّى عمر بن سعد « 1 » بأتباعه أيضاً ، ولكن شتّان ما بين الصلاتين .
إنّ هذا العلم هو ما تستقيم عليه النيّة الصحيحة الخالصة التي هي بدورها تمثّل روح العمل ، ثمّ إنّ هذه المعرفة المُسبقة بحقيقة العمل تشدّ الإنسان بقوّة نحو الإتيان به على أكمل وجه ، في حين إنّ الجهل به يُفضي إلى التقاعس عنه ، وهكذا الحال في الموبقات التي خفيت حقيقتها عن الإنسان حيث تجعله مستهيناً بعواقبها ، فالسويّ منّا قد يمتنع عن شرب الخمر والزنا والسرقة والقتل وغير ذلك ؛ لأنّه يُدرك بدرجة معتدّ بها قبح هذه الأعمال ، ولكنّه قد لا يتورّع عن الكذب أو الظنّ السيّئ بالآخرين أو الرياء وغير
ذلك ، فإذا ما علم وتحقّق بأنّ الكذب باطنه الشرك بالله « 2 » ، وأنّ الشرك
هامش
( 1 ) عمر بن سعد بن أبي وقّاص ، ولّاه يزيد بن معاوية ولاية الريّ من المدن الكبيرة في طهران عاصمة إيران ثمّ أمره والي الكوفة آنذاك عبيد الله بن زياد بتولّي قيادة الجيش الأُموي لمقاتلة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء فاعتذر أوّلًا فأبى عليه ابن زياد وخيّره بين مقاتلة الإمام الحسين عليه السلام وترك ولاية الريّ ، فغلبت عليه شقوته ، وآثر الحياة الدُّنيا فخرج بجيش يزيد لمقاتلة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد كان لشدّة خبثه أن كان أوّل من أطلق النبال على خيام الإمام الحسين عليه السلام وقال لأعوانه : اشهدوا لي عند عبيد الله بن زياد بأنّي أوّل من رمى خيام الحسين . انظر : ينابيع المودّة ، مصدر سابق : ج 3 ص 66 ؛ مثير الأحزان لابن نما الحلّي ، نشر المطبعة الحيدرية ، 1950 م ، النجف الأشرف : ص 41 .
( 2 ) إنّما يكذب الإنسان لاعتقاده بأنّ الكذب سوف يكون مُنجياً له ، وهذا ضرب من الشرك الخفيّ إلّا في موارد التقيّة والتورية حيث يُقدّم الأهمّ على المهمّ ، فترك الكذب / / أمرٌ مهمّ جدّاً إلّا أنّ حفظ النفس مثلًا أهمّ منه في صورة التزاحم ، ولا يخفى عليك أنّ التورية رغم شرعيتها إلّا أنّها كثيراً ما تحوم حولها شبهات الوقوع في الحرام لاسيّما في استعمالها مع المؤمنين ، وصدق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إذ قال : « النجاة في الصدق » .