إنّ الشهود الباطني بقدر ما يعكس الرتبة المعرفية والرقعة الوجودية للرائي فإنّه يُسجِّل أيضاً درجةً من التكاليف الجديدة ونمطاً آخر من الكيفية المُراد إيقاعها في السُلَّم العبادي أو المعاملاتي .
بعبارة أُخرى : إنّه تسوير جديد للنمط السلوكيّ الملائم لرتبة المعرفة والشهود .
وقد عرفت من إشارات تضمّنتها السطور السابقة أنّ الاستعدادات الأوّلية المُودعة في النفس الإنسانية يُمكن تنميتها وتوسيع رقعتها تبعاً للجهد المبذول في بُعديه الظاهري التحقيقي ، والباطني التحقّقي ، أي التعلّم والتزكية ، فهما القدمان اللتان ينبغي للإنسان السويّ السير بهما .
ولعلّنا نجد إشارات إلى تقديم التزكية على التعلّم في بعض النصوص القرآنية كما في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ « 1 » إلّا أنّ ذلك لا يعني ضرورة الترتّب والطولية بينهما وإنّما هو إشارة إلى شرفية وأولوية التزكية ، وربّما غائيتها أيضاً ، على أنّ انفصالها عن التعلّم لا يعني بوجه من الوجوه إفراغها من محتواها ، ولذا لم يأت عطف التعلّم على التزكية بحرف « ثمّ » الذي يُفيد التراخي والفسحة بين المعطوف والمعطوف عليه وإنّما جاء العطف بحرف « الواو » تلميحاً للمزاوجة والمعيّة .
إنّ العلم هو مصباح يأخذ بيد صاحبه نحو ضفاف التزكية ، كما أنّ
التزكية المستبطنة للعلم هي قدم الثبات في ساحة التوحيد . فالعلم بما هو علم ليس مطلوباً لذاته وإنّما هو قنطرة وطريق للعمل ، وشتّان بين من
هامش
( 1 ) الجمعة : 2 .