فمادّة كلّ معرفة لاسيّما فيما نحن فيه هي الاستعداد المسبق والوقوف على هذا الاستعداد ومعرفته ، ولعلّه في معرفته الأولى هذه يكون قد قطع شوطاً كبيراً في مقدّمات السير المعرفي « 1 » .
وحيث إنّ هذا الاستعداد مقدّمة ضرورية لنيل المعارف ، وإنّ الوقوف عليه مقدّمة أُخرى ضرورية أيضاً لتصحيح السير ووقايته من الخطل والمرض الذي قد يستعصي معه العلاج فإنّه كاشف إنّيّ عن تعدّد المراتب المعرفية ؛ ضرورة الاختلاف الواقع في استعدادات الناس أجمعين ، بل إنّ السائر نفسه هو في تحوّل معرفيّ مستمرّ طبقاً لنموّ استعداداته الأوّلية والتزاماته بمقوّمات ومقرّرات السير المعرفي سواء في مجاله النظريّ أو الشهودي .
إنّ الانفتاح على الكمالات الروحية وحصول الرقيّ المعرفيّ التحقيقي والتحقّقي يُوسّع من رقعة تكاليف العبد تبعاً لتوسّع عقله الظاهر والباطن أو البصر الظاهري والبصيرة الباطنية ؛ فإنّ الإنسان يُحاسب على قدر عقله الذي هو تعبير آخر عن معرفته ، وإنّ الإنسان يُحاسب على قدر معرفته في بُعديها الظاهري والباطني ، وبذلك يتّضح لنا معنىً آخر من قوله تعالى :
لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا « 2 » حيث النظر الأوّلي إلى الاستعدادات الأوّلية التي تؤلّف موضوعاً لسعة ونوعية التكاليف المُلقاة على عاتقه .
هامش
( 1 ) كما هو الحال في ضرورة معرفة المرض قبل علاجه ، فإنّ معرفته وإن لم تكن علاجاً بنفسه ، إلّا أنّها تمثِّل أهمّ مقدّمات العلاج ، وبغير ذلك أيّاً كانت جودة الدواء وانتظام الاستفادة منه فإنّه لا جدوى منه بل ربّما يُفضي به إلى الهلاك .
وكذا الحال في استجلاء الاستعداد الأوّلي قُبيل السير النظريّ أو الشهوديّ في المعارف الإلهية ، فانتبه .
( 2 ) البقرة : 286 .