تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
النكتة الثالثة : أنّ هذا الدّعاء الشريف يُقدّم لنا أُنموذجاً حيّاً لأولوية البرهان اللمّيّ وتقدّمه على البرهان الإنّيّ « 1 » ، فقد ذكرنا ترتّب العلل طوليّاً بين المعارف الثلاث المتقدّمة ، وهذا الترتّب الطوليّ الذي يبدأ بمعرفة الله تعالى وينتهي بمعرفة الإمام عليه السلام تصدق عليه صورة البرهان اللمّي حيث الانتقال من العلّة إلى المعلول ، بخلاف ما لو أردنا معرفة الإمام عن طريق آثاره وسلوكه وأفعاله ، أي : عن طريق معلولاته فإنّها معرفة تصدق
هامش
( 1 ) يتألف القياس المنطقي عادةً من قضيتين هما الصغرى والكبرى ومن نتيجة موضوعها موضوع الصغرى ومحمولها محمول الكبرى كما هو الحال في الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة للقياس الاقتراني والحملي والصغرى تضمّ الحدّ الأصغر الذي يكون موضوع النتيجة ، والكبرى تضمّ الحدّ الأكبر الذي يكون محمول النتيجة بحسب الشكل الأوّل ، والحدّ الأوسط هو الطرف المتكرّر في القضيتين معاً . فإذا كان الحدّ الأوسط واسطة في الإثبات ( أي : علّة للعلم ) وواسطة في الثبوت ( أي : علّة للوجود ) فإنّ البرهان يكون لمّياً ، كما في قولنا : عليّ إمام ، وكلّ إمام معصوم ، فعليٌّ معصوم . وهنا يكون « عليّ » هو الحدّ الأصغر و « معصوم » هو الحدّ الأكبر و « إمام » هو الحدّ الأوسط ، وهذا الأوسط هو واسطة في إثبات الأكبر ( معصوم ) للأصغر ( علي ) وواسطة في ثبوت الأكبر للأصغر أيضاً ، ولذا فهو برهان لمّي ، وبعبارة أُخرى : إنّه سير من العلّة إلى المعلول ( من الإمامة إلى العصمة ) . وأمّا إذا كان الحدّ الأوسط واسطة في الإثبات فقط لا غير أي : علّة للعلم والكشف فقط ، كما هو الحال في كون الدخان كاشفاً عن وجود النار مع أنّه معلولٌ لها فالبرهان إنّيّ ، كما في قولنا : هذه الحديدة متمدّدة ، وكلّ حديدة متمدّدة فدرجة حرارتها مرتفعة ، فهذه الحديدة مرتفعة درجة حرارتها . وهنا التمدّد معلول لارتفاع الحرارة لا أنّه علّة له ، وبذلك يكون السير سيراً من المعلول إلى العلّة ، وهذا برهان إنّيّ ، بعكس الأوّل تماماً .
معرفة الله — صفحة 270 | السيد كمال الحيدري