. القرآنية إلى البُعد الروحي حيث يرمز إليه بالمشرق ، وإلى البُعد المادّي حيث يُرمز إليه بالمغرب . قال تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً . ( مريم : 16 ) . فتضمّن هذا النصّ إشارة إلى البُعد الروحي ( مكاناً شرقيّاً ) ، وقد عرفت أنّ الشرق في حضارة الشرق يُرمز إلى الروح ، وممّا يُساعد على هذا المعنى أنّ الآية الكريمة لها صلة مباشرةً بمريم عليها السلام وصلة غير مباشرة بعيسى عليه السلام وكلاهما عُرِف بالمسلك الروحي ، فمريم البتول قد نأت بنفسها عن جميع ملذّات الدُّنيا بما فيها الزواج وانحصر وجودها في صلاة وصيام ودعاء وتسبيح ، وأمّا نبيّ الله عيسى عليه السلام فروحانيّته غنيّة عن التعريف حتى وصل به المقام إلى عزوفه عن اتّخاذ بيت له ولم يأكل إلّا ممّا تنبته الأرض من أعشاب وخضار ، وعزف عن كلّ لذّة مادّية فصار شفّافاً في روحه وجسده الطاهرين .
وبهذا ناسب التعبير عنهما بالشرقيّة لتحكي بذلك المسلك الروحي الذي كانت الأُمّة آنذاك أحوج ما تكون إليه .
وأمّا الإشارة القرآنية إلى البُعد المادّي والجسدي فربّما يمكن استفادتها من قوله تعالى : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ ( القصص : 44 ) . وقد عرفت أنّ الغرب في حضارة الغرب يُشار به إلى المادّة والجسد ، وقد يُناسب هذا المعنى ما تضمّنت الآية الكريمة من التصريح باسم النبيّ موسى عليه السلام الذي كان معروفاً بالقوّة والمتانة الجسدية حتى وصل الأمر إلى أنّه بوكزة منه يقتل رجلًا فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ( القصص : 15 ) ، فناسب الإشارة إلى قوّته البدنية أن يُحكى عنه بالجانب الغربي . وممّا يُساعد على كلّ ذلك هو أنّ المسيحيّة يُشار إليها عادةً بالشرقيّة لروحانيّتها وأنّ اليهوديّة يُشار إليها بالغربية لمادّيتها .
ومن هنا جاء الإسلام ليكون أُمّةً وسطاً بين ذينك الاستغراقين الروحي والمادّي ، فلا هو دعوة للروحانيّة والرهبانية بنحو مطلق ولا هو دعوة للماديّة والجسدية بنحو مطلق ؛ ليخرج بذلك عن دائرتي الإفراط والتفريط في الروح والمادّة ، فهو شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة ؛ قال تعالى : كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة ( النور : 35 ) . وفي ذلك إشارة إلى كون الإسلام يجمع بين الروح والجسد حيث يهتمّ بهما معاً ، فلم يسلك طريقة الديانة المسيحيّة / / ( شرقية ) ولا طريقة اليهودية ( غربية ) ، وقد جاء التعبير بالزيتونة لأنّها كثيرة المنافع وهكذا هو الإسلام حيث يفيض بالروحانيّة الهادفة ويُغطّي احتياجات الجسد الملتزمة ، وهذا هو الدِّين الذي رضيه الله سبحانه لأُمّة محمّد صلى الله عليه وآله والناس جميعاً وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِيناً ( المائدة : 3 ) ولم يقبل دونه بدلًا ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الخَاسِرِينَ . ( آل عمران : 85 ) .
معرفة الله — صفحة 259
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥٩