تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ودفعاً لذلك الجهل الظاهر والشرك الخفيّ يجب علينا أن ننطلق بمعرفته منه تعالى فنعرفه به كما عرف إخوة يوسف يوسف بنفسه لا بغيره ، وقد حكى لنا القرآن الكريم هذه المعرفة بقوله : قَالُوا أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ . . . « 1 » ، فقد عرفوه به ، وهذه هي المعرفة التي لا يتخلّلها جهل . وينبغي أن يُعلم أنّ الله تعالى معروف بذاته ، فلا اثنينية بين ذاته المقدّسة ومعروفيّته ، وأنّ معروفيّته تتّضح من معروفية الأشياء به ، فإنّ العلم بشيء ما في الخارج أو في الذهن لا يكون إلّا بإدراك معروفيّته ، فما دمت عالماً بشيء فأنت عارف بالله تعالى . بعبارة أُخرى : إنّ الله سبحانه هو المعلوم والمعروف الأوّل للعالم بشيء ما ، فإنّه به تعالى يُعلم المعلوم الآخر ، فلا مقدّمات ولا ملازمات وإنّما هو سير والتزامات « 2 » . ولا يخفى أنّ هذه المعرفة تحتاج إلى معاينة وشهود وعودة إلى الفطرة الأُولى والعلم الأوّل البسيط الذي فُطر الإنسان عليه ، وبذلك يتّضح لنا أيّ بحر من الجهل نمخر فيه ، وأيّ عالم من الغفلة نجوب فيه ! فلتكن هذه تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْد مُنِيب « 3 » .
هامش
( 1 ) يوسف : 90 . ( 2 ) من التزم بهذا المنهج المعرفيّ وهو أنّ معلومية ومعروفية الأشياء لا تكون إلّا به تعالى فإنّه لا يحتاج إلى مقدّمات وملازمات في إثبات معروفيته لله تعالى . فهذا السير المعرفي ( تقدُّم معروفيّة العلّة على معروفية المعلول ) يحقّق الغرض المعرفيّ الأوّل ، وأمّا الالتزام بتقدّم معروفية المعلول فإنّ المستدلّ يحتاج فيه إلى مقدّمات وملازمات وصولًا إلى معرفة العلّة ، ولذا عُبّر عن المنهج الأوّل بأنّه سير والتزامات ، أي سير معرفيّ والتزام به . ( 3 ) ق : 8 .