الصورة الثانية وهي الدرجة الأُولى من المعرفة الشهودية فإنّها تتمثّل بالإقرار الكامل بالعجز المعرفي والافتقار الكلّيّ للمشهود الأوحد له .
بل التوحيد في هذه المرتبة هو أن لا يرى العارف شيئاً سوى المعروف والمشهود الأوّل والأوحد ، فيلحظ اصطباغ الوجود به ، فلا مرئيّ سواه ، وعندئذ ترتفع الغيرية مفهوماً ومصداقاً ؛ إذ لا غير منظور أمامه ، وليس في الدار غيره ديّار ، وبذلك تطوي الوحدة الحقّة ما يُرى من الكثرة الظاهرة ، فتغيب الوجوه الهالكة ويبقى كما كان ولم يزل الوجه الأوحد الطارد بوجوده المطلق ما عداه وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ . . . « 1 »
هامش
( 1 ) البقرة : 115 .
لو تأمّلنا في الآية الكريمة وَلله المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ ربّما نجد إشارة خفيّة إلى عالم الغيب والشهادة ، فلا يبعد أن يكون قوله ( المشرق ) إلماعة إلى الظهور الحسّي لعالم المادّة أو ما يسمّى أيضاً بعالم الشهادة ، ويكون قوله ( المغرب ) إلماعة إلى بطون عالم الحسّ وهي عوالم الغيب من مثال وعقل وربوبيّة ، فيكون المفاد أنّ جميع العوالم الظاهرة والباطنة ، والشهادة والغيب هي لله تعالى ، وما دامت هي كذلك وهي كذلك فأينما نذهب ونُولّي وجوهنا فإنّ المرئيّ الأوحد هو وجه الله تعالى ، وهذا هو المعنى الدقيق الذي يُشار إليه بالآيات والروايات وكلمات العارفين .
وهنالك تصوير آخر لهذا المعنى الدقيق نتيجته مفاد هذه الآية الكريمة ومقدّماته آيات أُخر تضمّنت إشارات لذلك المعنى الرفيع ، ويمكن إيجازه لتتميم الفائدة .
أقول : لقد عُرفت حضارة الشرق بأنّها حضارة الروح في قِبال حضارة الغرب التي هي حضارة المادّة والجسد ، ولعلّ من دواعي تأصيل هذه الظاهرة ورسوخها ثمّ انتشارها في المشرق هو توارد ذلك الكمّ الهائل من الأنبياء والرُّسل عليهم السلام على أرض المشرق بخلاف ما كانت عليه حضارة الغرب . وربّما لأجل هذه النكتة المرسوخة والإرث الحضاريّ الموغل في الزمن أمكن استفادة جملة من الإشارات / /