المعرفة الحقّة
يفترض أن تكون قد تكوّنت لدينا من الأبحاث السابقة مجموعة أوّليات نستنتج من انتظامها : كيف تكون المعرفة الحقّة بالله سبحانه وتعالى . فقد تقدّم أنّ المعرفة بقسميها الحصوليّ الصوريّ والحضوريّ الشهوديّ لا توفّر للعالم والمشاهد معرفة تفصيلية تامّة بالله تعالى ذاتاً وصفاتٍ وإنّما هي معرفة إجمالية تكون لدى الأوّل صورية تحقيقية ولدى الآخر وجودية تحقّقية ، والمعرفة الثانية هي المعرفة الحقّة رغم مرتبيتها وعدم تماميّتها وعدم إحاطيّتها ؛ فإنّ العارف بهذا المقدار المعرفيّ الذي بلغه وفقاً لدرجة سيره واستعداداته يمكنه تحقيق المصداق المعرفي للمعرفة الحقّة التي تقدّمت الإشارة إليها بأنّها معرفة الله بالله تعالى ومعرفة المخلوقات به تعالى ، فإنّ العارف بمقدار تحقّقه بالوجود الأسمائي والصفاتي في سيره الثاني سوف يكون مظهراً من مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته الأسنى ، وبهذا الحدّ المعرفيّ الشهودي تتجلّى أمامه حقيقة عالم الإمكان وكونه وجوداً تعلّقياً افتقارياً حرفياً لا أنّه شيء ثبت له ذلك ، ولكن هذا التحقّق المعرفي لا يتحقّق على نحو واحد أو وتيرة واحدة وإنّما هو على أنحاء ومراتب ، ومرجعية كلّ مرتبة منها تعود إلى السقف المعرفيّ الذي وصله العارف .
وهذا المعنى المتقدّم بجميع مراتبه يمثّل الصورة الأُولى « 1 » من المعرفة الحقّة والتي نعتبرها الدرجة الثانية في السلّم المعرفيّ الشهودي ، وأمّا
هامش
( 1 ) إنّما سُمّيت بالصورة الأُولى رغم كونها تمثّل المرتبة الثانية من المعرفة التحقّقية غير الإحاطيّة نظراً لكونها الصورة الغالبة في دائرك السلّاك والمريدين ، وأمّا كونها مرتبة ثانية فلانّها أدنى من المرتبة الأُولى المقتصرة على طبقة محدودة جدّاً غاصت أقدامهم في أرض العبوديّة لله سبحانه وتعالى .