تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وبذلك فإنّ كلّ من كان يعتقد بأنّ الله سبحانه وتعالى حاضر ومشهود فإنّه يتعيّن عليه معرفة الحاضر ثمّ التعرّف على صفاته بانتزاعها منه ، ومن كان يعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى غائب عنه فإنّه ينبغي له أن يتعرّف عليه بواسطة صفاته وآثاره . ومن الواضح أنّ من غابت عنه ذاته غابت عنه بالتبع صفاته لما عرفت من كون صفاته تعالى هي عين ذاته فتنحصر معرفته بأفعاله ، وذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى « 1 » . وهل يكون غياب مصداق الوجود الأوّل وبالذات هداية ؟ ! أم هل يكون غياب الحاضر وحضور الغائب معرفة ؟ ! أيّ هداية وأيّ معرفة والحاضر هو مجموعة معانٍ كلّية وصور ذهنية لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، وبذلك تبقى دعوى معرفته تعالى بهذا المناط كَسَرَاب بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً « 2 » ، وعلى حدّ تعبير الإمام الصادق عليه السلام « كيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره ، إنّما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنّما يعرف غيره . . . فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة . لا يدرك مخلوق شيئاً إلّا بالله ، ولا تُدرك معرفة الله إلّا بالله » « 3 » . لذا فإنّ معرفة الغائب بصفته « لا تُوجب له تميّزاً عن غيره ولا توحيداً في نفسه كما لو لم نرَ مثلًا زيداً بعينه وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض طويل
هامش
( 1 ) النجم : 30 . ( 2 ) النور : 39 . ( 3 ) توحيد الصدوق ، مصدر سابق : ص 143 .