أمّا في المنهج القرآني والعرفاني فإنّنا نجد الأمر مختلفاً لأنّهما يسلكان طريقاً آخر مغايراً تماماً لطريقة المتكلّمين والحكماء ، فهما يبدآن بالعلّة والمؤثّر
رأساً ثمّ يريان من خلالها الآثار ، وهذا يعني أنّ المنهجين القرآني والعرفاني يفترضان وجود العلّة في رتبة سابقة ، وإذا ما استدلّا على وجود المؤثّر نفسه فإنّهما يستدلّان به عليه ولأجل إقامة الحجّة لا لتحصيل المعرفة به ؛ فإنّ معرفتهما به ولو إجمالًا أمرٌ مفروغ عنه .
فالمنهج القرآني : أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ « 1 » صريح في كون وجود المؤثّر أمراً مفروغاً منه وليس موضع بحث وتمحيص .
إنّ افتراض عدم وجود المؤثّر أو غيابه هو المعْلَم والملمح الرئيسي في المنهج الاستدلالي للمتكلّمين والحكماء ، ولذا تجد أنّ ما ينتهون إليه في معارفهم التوحيدية هو خلاصة ما حصلوا عليه من الآثار وهي معرفة ظلّية لا حقيقية . فمن استدلّ بالنهار على وجود الشمس أو بالدخان على وجود النار دون أن يرى الشمس أو النار فإنّ معرفته بالشمس والنار معرفة غيرية لا حقيقية . فالحاضر عنده أوّلًا وبالذات هو النهار والدخان ، والغائب عنده أوّلًا وبالذات هو الشمس والنار ، وكذا الحال عنده في الله سبحانه وآثاره ، حيث يكون الله سبحانه وتعالى معروفاً لديه ثانياً وبالعرض ، أي بعرض آثاره ، في حين إنّ آثاره معروفة لديه أوّلًا وبالذات فلا تحتاج إلى وسيط لديه .
بعبارة أُخرى : إن المتّبع للمنهج البحثيّ التحقيقي يرى نفسه حاضراً في صفحة الوجود والله المُظهِر له غائباً ! « 2 » وكأنّ له من الظهور ما ليس لله ،
هامش
( 1 ) إبراهيم : 10 .
( 2 ) ينقل الشهيد مطهري أنّ من كلمات محيي الدِّين بن عربي الشهيرة قوله : « العالم / / غائب ما ظهر قطّ ، والله تعالى ظاهر ما غاب قطّ » . انظر : دروس فلسفيّة في شرح المنظومة للشهيد مرتضى مطهّري ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 126 . ومفاد كلمته هذه أنّ العالم غير ظاهر وإنّما هو مظهر من مظاهر الحقّ سبحانه ، فالظاهر وحده هو الله .