السؤال الذي يطرح نفسه وينبغي الإجابة عنه : ما هو الفرق بين المعرفة التحقيقية والمعرفة التحقّقية ؟
بعبارة أُخرى : ما هو الفرق بين التحقيق والتحقّق ؟
إنّ المراد من المعرفة التحقيقية هو اعتماد الأدلّة العقلية القطعية في إثبات وجود الله تعالى ومعرفته وتوحيده ، فلا تؤخذ هذه المعارف أخذ المسلّمات وإنّما لابدّ من إقامة البرهان الذي تُحقّق من مقدّماته وموادّه وأقيسته وقضاياه بما يُفضي إلى القطع لتكون النتائج المتوخّاة قطعية بتّية أيضاً .
فما ذكره المتكلّمون والحكماء الإلهيّون في مصنّفاتهم من دلائل على إثبات الواجب أو الصانع من قبيل برهان النظم وبرهان الإمكان والوجوب وبرهان الحدوث وبرهان الحركة والتغيّر وبرهان النفس الإنسانية وبرهان العلّة والمعلول وبرهان الصدّيقين وغيرها من البراهين ، فإنّها تعتمد العقل في تأسيس وتقرير براهينها ، وبذلك تعطي الباحث اتّزاناً معرفيّاً صوريّاً ، والمراد من الصورية هنا هو كونها لا تعدو دائرة الذهن .
وأمّا المعرفة التحقّقية بغضّ النظر عن كونها إحاطية أو غير إحاطية فإنّها تسلك بالإنسان طريقاً آخر لمعرفة الله تعالى وتوحيده وهو طريق الكشف والشهود والمعاينة ، ونتيجة الشهود ليست صوراً ذهنية وإنّما حقائق قلبية وجودية تكوينية .
بعبارة أُخرى : إنّ حصيلة التحقيق البرهاني هي أن يكون الباحث مظهراً لنتيجة ذلك السير العقلي ، ولذا فإنّه لا يخرج عن دائرة المفهوم والصورة الذهنية ، وأمّا حصيلة التحقّق الشهودي فهي أن يكون السالك مظهراً لنتيجة ذلك السير المعنوي القلبيّ ، أي يكون السالك مظهراً لما تحقّق به ، فمن تحقّق بالعدل يكون مظهراً فعليّاً للعدل ، فلا يكون مجرّد عادل
معرفة الله — صفحة 249
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٩