الروايات على الوليّ الأعظم والحجّة القائمة لله تعالى على خلقه ، فإنّها تعني حضور الأعمال لديه إجمالًا وتفصيلًا في آن وقوعها ، لا أنّها تُجمع وتُعرض عليه ، وبذلك نفهم المصداق الأتمّ لذلك الكتاب الذي لا يُغادر صغيرة ولا
كبيرة « 1 » ، وبضميمة ذلك يُفهم وجه آخر لقوله تعالى : وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين « 2 » .
وأمّا المعرفة الحضورية التحقيقية غير الإحاطية فإنّها ممكنة وواقعة على مختلف الأبعاد والمستويات ، أعني : الذات والصفات والأفعال .
أمّا الأفعال فقد عرفت إمكان معرفتها على نحو الإحاطة الكلّية فكيف بما هو دونها ، وأمّا على مستوى الأسماء والصفات فإنّها ممكنة للجميع وواقعة للبعض ممّن سلك السبيل وهاجر الهجرة العظمى من دار النفس المظلمة إلى دار الحقّ المشرقة وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً « 3 » ، وحيث إنّ السير في غير المتناهي فإنّ العبد السالك لا يقف إلّا عند توقّف استعداده وامتلاء إنائه « 4 » أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 5 » .
إنّ سير العارف في دائرة الأسماء والصفات الإلهية هو ما يُعبّر عنه في اصطلاح العرفاء بالسير من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ بعد أن يكون قد غادر
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا . الكهف : 49 .
( 2 ) يس : 12 .
( 3 ) النساء : 100 .
( 4 ) وعندئذ يهتف بأرجائه : آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر .
( 5 ) الرعد : 17 .