تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
للباحث في أرفع مستوياته درجةً من التصديق القلبيّ فإنّها مرتبة تبقى دون مرتبة الاطمئنان بما لا يخفى « 1 » ، بخلاف ما توفّره المعرفة التحقّقية سواء ببُعدها الإحاطي أو غير الإحاطي في دائرة الموجودات الإمكانية ؛ لما عرفته من أنّ المعرفة الإحاطية بالله تعالى ذاتاً وصفاتٍ غير ممكنة . وفي ضوء ذلك يتّضح لنا ولو إجمالًا ما يمكن أن يحصل عليه البحث التحقيقي وما ينتهي إليه المحقّقون والمتحقّقون في معرفة الله تعالى ، والآن ينبغي التفصيل .
هامش
( 1 ) ورد عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنّه سأل الله سبحانه هذه المرتبة في كيفيّة إحياء الموتى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . البقرة : 260 . والإيمان هو التصديق مع الالتزام بمقتضى التصديق دون حصول المعاينة ، وأمّا الاطمئنان فهو حصول التصديق والالتزام والمعاينة ، ويمكن ضرب مثال عمليّ يقرّب ذلك الفرق الجوهري والدقيق وهو : لو أنّك لاحظت إنساناً ميّتاً صدّقت بوفاته وآمنت بموته ، ولكن لو طُلب منك المبيت بجواره ليلة واحدة فهل سوف يبقى إيمانك واعتقادك على ما هو عليه ولا ترسم لك مخيّلتك صوراً وهميّة تهوّل عليك الأمر ؟ فإن داخلك شيء من ذلك فاعلم أنّك لم تصل إلى درجة الاطمئنان . ولقد كان إبراهيم الخليل شديد الإيمان بإحياء الموتى ولكنّه لم يُعاين ذلك من قبل فطلب المعاينة ، وما نفهمه من مجموع ما طلبه الخليل عليه السلام هو أنّه لم يطلب المعاينة الظاهريّة لكيفيّة الإحياء وإنّما أراد الوقوف على السرّ الكامن وراء انبعاثهم وصدورهم ، فذلك هو الذي يوفّر الاطمئنان لشخصيّة عظيمة مثل إبراهيم عليه السلام لا مجرّد رؤية اجتماع الأجزاء المتفرّقة . ويروى أنه عليه السلام إنّما طلب المعاينة ليطمئنّ على مقام الخلّة بعدما أوحى الله تعالى إليه أنّي متّخذ من عبادي خليلًا إن سألني إحياء الموتى أجبته ، فوقع في قلبه ذلك فسأل ربّه الإحياء ليطمئنّ على خلّته . ولو صحّ ذلك فإنّه لا يمنع من عدم معاينته للإحياء من قبل ؛ فيكون طلبه ليزداد بهذه المعرفة درجة .
معرفة الله — صفحة 234 | السيد كمال الحيدري