تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
3 الذات المقدّسة . ولبيان الفرق بين هذه الأقسام وتقريبه نذكر مثالين واضحين يتعلّقان بالموجودات الإمكانية وهما الإنسان والماء . فالإنسان له ذات وصفات وأفعال وكذلك الماء له ذات وصفات وآثار ، أمّا الإنسان بلحاظ مصداقه فإنّ ذاته هو نفس العين المتشخّصة في الخارج والتي بها يمتاز عن كلّ شيء آخر سواء من بقيّة أفراد نوعه أو أفراد الأنواع الأُخرى ، فلا يختلط بها . ومن هذه الذات المتميّزة ننتزع مجموعة معان وصفات ، فعندما يكون طويل القامة أبيض اللون قويّ البنية وغيرها فإنّ الذهن ينتزع هذه المعاني ثمّ يصف تلك الذات بها . وبهذه الطريقة العقلية بانتزاع المفاهيم الصفاتية لتلك الذات يمكننا الحكاية عنها ، وأمّا خصوص ذاته المتميّزة خارجاً فلا مجال لمعرفتها إلّا بمعاينتها خارجاً ، ومن الواضح أنّ مجموع ما نصفها به لا يعدو المفاهيم الكلّية الصالحة للانطباق على غيرها . فطول القامة وبياض الوجه وقوّة البدن غير مختصّة بذلك المصداق الملحوظ خارجاً فاحتاجت معرفته الحقّة إلى معاينته خارجاً « 1 » .
هامش
( 1 ) ربّما يُقال : إنّ ذات الإنسان هي حقيقته التي يمتاز بها عن سائر الأنواع الأُخرى والتي تتمثّل بكونه حيواناً ناطقاً كما هو المتعارف منطقيّاً عندما يُسأل عن الإنسان : ما هو ؟ فيُجاب عادةً : إنّه حيوانٌ ناطق . وهذا المدّعى مقبول فيما إذا كُنّا نتحدّث عن ماهيّة الإنسان ، أمّا إذا كان الكلام في وجوده الخارجي فإنّه لا معنى أن يُقال إنّه حيوان ناطق ، وبعبارة أُخرى : إنّ محلّ الكلام هو في المصداق الخارجي للإنسان وليس في مفهوم الإنسان نفسه ، هذا أوّلًا ، وأمّا ثانياً : فإنّ التعريف ب « حيوان ناطق » سوف يغلق فرصة التمايز بين مصاديق الإنسان ، فزيد له ذات خارجيّة خاصّة به هي غير لونه وطوله وشجاعته وعلمه و . . . / / وبتلك الذات امتاز عمّن سواه تمايزاً تامّاً ؛ لما عرفت من أنّ صفاته هي عناوين كلّية غير مختصّة به بخلاف ذاته الخارجيّة فإنّها شخصيّة لا تختلط بغيرها أبداً . ومن هنا يتّضح لنا جليّاً أنّ الذات المقدّسة لا يمكن جلبها إلى الذهن لا إجمالًا ولا تفصيلًا وأنّ كلّ ما نستحضره في أذهاننا لا يمتّ للذات بصلة ، وإنّما هو مخلوق مصنوع مولود لعقولنا وأوهامنا مردود إلينا ، فإذا كانت الذات الممكنة عصيّة عن المجيء إلى الذهن فكيف بالذات الواجبة ، وبذلك يتّضح السرّ في كون المعرفة الصوريّة الصفاتيّة موهمة وأنّها طريق للباطل ؛ نظراً لعدم حصول التمايز ، ولعلّ من هذا يتّضح لنا سرّ كلمة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عندما سُئل : كم بين الحقّ والباطل ؟ فقال عليه السلام : « بين الحقّ والباطل أربعة أصابع ، ما رأيته بعينك فهو الحقّ ، وما سمعته بأذنيك باطلٌ كثيره » . انظر : الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ، نشر مؤسّسة أنصاريان ، الطبعة الثانية ، 1412 ه قم : ص 319 .