تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
هي إدراك الشيء ثانياً بعد توسّط نسيانه ، وقد عرفنا أنّ العلم السابق الذي غفلنا عنه هو ما أُشير إليه بقوله تعالى : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » ، وخلاصته هو معرفة الله وتوحيده الكامنان في طيّ الغفلة والنسيان عند الاتّجاه العامّ والسواد الأعظم من بني الإنسان ، وسوف يأتي الإقرار منهم ولو بعد حين أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ « 2 » . وقد عرفنا أنّ هذه المعرفة الفطرية يقع في قِبالها الإنكار لا الجهل كما جاء في بعض النصوص القرآنية فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ « 3 » ، والروائية ( والمعرفة وضدّها الإنكار ) « 4 » ، وأنّ العارف إنّما عرف ربّه جلّ وعلا بعد غفلة ونسيان لا بعد جهل ، وأنّ تلك المعرفة الظاهرة بعد الكمون خلاصتها التوحيد ، فكانت المعرفة منه رجوعاً والوصول يقظة وتذكّراً « 5 » . ثمّ إنّ المعرفة في اصطلاح العرفاء هي إحاطة العبد بعينه وإدراك ما له وما عليه ، أو هي الوقوف على حقائق الأشياء بما هي . وبذلك تكون المناسبة أو حاصل الجمع بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي العرفاني للمعرفة عودة الإنسان مرّة أُخرى للوقوف على الحقائق بما هي ، ومن أهمّ تلك الحقائق معرفة حقيقة نفسه وحقيقة
هامش
( 1 ) الأعراف : 172 . ( 2 ) الأعراف : 172 . ( 3 ) يوسف : 58 . ( 4 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 22 ، ح 14 . ( 5 ) لا يخفى وجه المناسبة بين النمط المعرفيّ وبين ما اعتمده أفلاطون في حقيقة العلم والجهل ، حيث قال : إنّ العلم تذكّر والجهل نسيان ، وهذا المعنى ينسجم تماماً مع العلم البسيط الذي كمُن بسبب ظلمات عالم المادّة الجسد فاحتاج العود إلى يقظة وتذكّر بواسطة التخلّص من التعلّقات المادّية .
معرفة الله — صفحة 227 | السيد كمال الحيدري