وقد خرج الإمام الحسين عليه السلام يوماً إلى أصحابه فقال لهم : « أيُّها الناس إنّ الله جلّ ذكره ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه » « 1 » .
ولئن كانت المعرفة هي الخير الكثير « 2 » فإنّ معرفته سبحانه هي الخير كلّه .
فتعيّن من فيض ما تقدّم أنّ حبّ الله يكمن في معرفته « فأحببت أن
أُعرف » ، وغاية ظهور الممكن تجلية المعرفة في مكنونه « وما خلقت
. . . » و « ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه » ، واصطباغ الإمكان مطلقاً بوجه الواجب حصراً هو خاتمة مطاف المعرفة الإمكانية وأوّل صفحات المعرفة الإلهية .
فماذا تعني معرفة الله تعالى في الرؤية الكونية الإلهية الحقّة ؟
للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى بسط جملة من المقدّمات المعرفية تذكيراً وتأسيساً لتكون على مقربة ولو نظريّاً من تلك الغاية والمنتهى التي بها يصير الإنسان إنساناً بفصل وجنس حقيقيّين لا منطقيّين فحسب :
المقدّمة الأُولى : تذكير بالمعرفة اللغوية والاصطلاحية .
المقدّمة الثانية : تقسيمات المعرفة إلى ظاهرية وتحقيقية وتحقّقية .
المقدّمة الثالثة : تقسيمات المعرَّف إلى ذات وصفات وأفعال .
1 . تذكير بالمعرفة اللغوية والاصطلاحية
تقدّم أنّ المعرفة لغة « 3 » هي تذكّر العلم السابق بعد غيبته عن النفس ، أو
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 312 .
( 2 ) عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً قال : المعرفة . انظر : بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 215 ، ح 23 .
( 3 ) انظر : معاني المعرفة ( البحث الأوّل من الفصل الثاني ) .