وأمّا الإشارة الثالثة ففي قوله تعالى لَا تَخَافُونَ ففي الآية نفي لا نهي ، وبذا يكون المفاد هو وصف المسلمين بعدم الخوف ، أي سوف تدخلونها آمنين غير خائفين ، ومن الواضح أنّ المسلمين وإن كانوا مؤمنين إلّا أنّهم قبيل الحديبية كان يعترضهم الخوف لقلّة عددهم وتكالب الأعداء عليهم بخلاف ما كان عليه الحال بعد الحديبية التي كان الصلح فيها نصراً وفتحاً عظيماً للمسلمين « 1 » .
ومنها رؤيا أُمّ موسى عليه السلام بناءً على بعض الروايات والآراء التي أكّدت أنّ الوحي الذي تلقّته أُمّ موسى إنّما كان عن طريق الرؤيا « 2 » ؛ ما يدلّ على كون الرؤيا الحقّة هي نوع من أنواع الوحي إلّا أنّه ليس وحياً رساليّاً كما عرفت ؛ قال تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ « 3 » ، وهذا نصّ صريح بمطالبه بحيث لم تحتج أُمّ موسى إلى تأويل ما تلقّته في منامها .
وأمّا الرؤيا غير الصريحة فإنّ النفس المجرّدة بعد أن وقفت على جملة من الحقائق قد تصرّفت فيما رأته بواسطة الحكاية عمّا رأته ، وقد أشرنا إلى ذلك بحكاية العظمة بالجبل والشجاع بالأسد . وعندئذ لابدّ من التأويل
هامش
( 1 ) يرى جملة من المفسّرين أنّ المراد من الفتح في قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً هو صلح الحديبيّة الذي مكّن المسلمين من فتح مكّة بيسر بعد عامهم ذلك ، ومن بركات الحديبيّة حصول بيعة الرضوان وارتواء المسلمين ببركة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بعد ظمأ شديد .
( 2 ) يقول الشيخ المفيد : « فاتّفق أهل الإسلام على أنّ الوحي كان رؤيا أو كلاماً سمعته أُمّ موسى في منامها » . انظر : الاعتقادات مصدر سابق : ص 121 .
( 3 ) القصص : 7 .