أنّ هنالك عوالم أُخرى هي أرفع مقاماً من عالم الطبيعة ، يتّصف كلّ منها بالعليّة لما هو دونه ، وهي عالم الربوبية الذي هو علّة لعالم العقل المجرّد عن المادّة والصورة معاً ، وعالم العقل علّة لعالم المثال الذي تكمن فيه صور الأشياء دون موادّها ، وهو علّة لعالم الطبيعة الذي هو عالم المواد والصور معاً والحركة والتغيّر والتزاحم « 1 » .
ولا ريب أنّ مجال الرؤيا يكمن في عوالم ما بعد الطبيعة التي قد يقف بعضها عند عالم المثال وقد يرتقي بعضها إلى العقل ، وربّما تظفر النفس الكاملة بالسبح القدسي في المجال الأسمائي والصفاتي بما ينسجم مع قدرته على السبح والتلقّي .
ولا ريب أنّ تجرّد النفس الإنسانية عن المادّة يمكّنها من الاطّلاع على ذلك السير الغيبي والوقوف على حقائق الأشياء بتمامها وكمالها الذي في ضوئه استُنسخ عالم الطبيعة بحلّته المادّية ، فلا متحيّز في عالم الطبيعة إلّا وله أصل في العوالم السابقة وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم « 2 » .
وذلك التجرّد يجعل النفس الإنسانية مسانخة للعوالم العُليا « فإذا نام الإنسان وتعطّلت الحواس انقطعت النفس طبعاً عن الأُمور الطبيعية الخارجية ورجعت إلى عالمها المسانخ لها وشاهدت بعض ما فيها من الحقائق بحسب ما لها من الاستعداد والإمكان » « 3 » .
هامش
( 1 ) للوقوف على حقيقة هذه العوالم وأدلّة وجودها يراجع كتاب « من الخلق إلى الحقّ » : ص 45 14 .
( 2 ) الحجر : 21 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ، ص 299 .