سواء كان بطريق عقليّ أو بطريق نقليّ ، فلا يجب على المكلّف أكثر من ذلك في المعارف الإلهية فضلًا عن غيرها . فإذا كان هذا العلم حجّة على العباد ، فمن باب أولى أن يكون حجّة لهم ؛ انسجاماً وتحقيقاً للعدل في هذا المقام .
لكن يبقى علينا أن نجيب على إشكالية يطرحها مفاد الحديث وهي أنّ هذا العلم اللساني الحصولي قد جُرّد من وصف النفع والانتفاع به بخلاف علم القلب ، وعليه فإذا كان علماً غير نافع فكيف يصحّ الاحتجاج به أو الالتزام به ؟
والجواب : إنّ المراد من النفع في المقام هو ترتّب الأثر وتحقّق العمل المبتنى على العلم ، وحيث إنّ هذا النوع من العلم لا يكون موجباً للعمل وقد تقدّم بيان ذلك فإنّه لا يكون موجباً لتحصيل النفع .
فمعرفة الله تعالى لساناً وحصولًا ما لم تكن موجبة لتحقيق الطاعة والعبودية لله تعالى ستكون معرفة قشرية لا ثمرة فيها ولا طائل منها ، بل تكون وبالًا على صاحبها « 1 » لأنّها بحسب الظاهر من الرواية حجّة عليه ، ولذا يكون الجهل أولى وأفضل منها ما دامت مجرّدة عن العمل .
من هنا يتّضح لنا السرّ في الاستهجان من العالم الذي لم ينتفع بعلمه وتقريعه حتّى ورد « أنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه » « 2 » و « أنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن
الصفا » « 3 » بل « أنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزد صاحبه إلّا كفراً ، ولم يزدد من
هامش
( 1 ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « كلّ علم وبال على صاحبه إلّا من عمل به » بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 33 ، ح 63 .
( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 44 ، ح 1 .
( 3 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 44 ، ح 3 .