اليقين فيُطالع ببصيرته وعينَي قلبه الموجودات كما هي بحقائقها فيصير الباطن عنده ظاهراً متجلّياً ، فإن تحوّل من المشاهدة إلى المعايشة ومن المقاربة إلى الملامسة فذلك هو حقّ اليقين « 1 » فتغيب الكثرة في وحدة المشهود .
وفى ضوء الإحياء الإبراهيمي للموتى بإذن من ربّه يكون إبراهيم عليه السلام قد تحقّق بمقام حقّ اليقين لمباشرته الإحياء بنفسه لا مجرّد مشاهدة الكيفية الصادق عليها عين اليقين فضلًا عن الاعتقاد المجرّد الصادق عليه علم اليقين .
شاهد آخر وموعظة
في ضوء التقسيم المعرفي لليقين يتّضح حال العبادات التي نحن عليها لاسيّما الصلاة التي من حالها يُعرف حال العبد وشأنه ، فجدير بنا معرفة ما يمكن أن تكون عليه هذه الفريضة العبادية .
فمن كان حظّه من الصلاة أداء الظاهر منها من قيام وركوع وسجود دون خشوع وحضور وشهود ، فذلك حاله وشأنه ومكانته من حيث القرب الإلهي . فيكون الحاضر عنده صورة الصلاة ومفهومها ، والحاضر فيه مجرّد كلمات وحركات وسكنات مشغول بنفسه عن نفسها فتكون كلّ
متعلّقاته حاضرة إلّا الصلاة فهي غائبة عنه « 2 » ، أو بالأحرى هو غائب عنها ،
هامش
( 1 ) وفي ضوء ذلك يمكن تقسيم القرب الإلهي إلى أقسام ثلاثة ؛ الأوّل : القرب البحثي النظري ، وهو علم اليقين . الثاني : قرب المعاينة والشهود ، وهو عين اليقين . الثالث : غياب الشاهد في المشهود والرائي في المرئيّ والحرفيّ في الاسميّ ، وهو حقّ اليقين .
ولعلّ الثاني صادق على مقام قرب النوافل الذي يكون المعبود فيه جلّ وعلا للعبد سمعه المقيّد وبصره ولسانه ويده ، ويكون الثالث صادقاً على مقام قرب الفرائض الذي يكون فيه العبد سمع المعبود المطلق وبصره . . . .
( 2 ) بعبارة منطقيّة : يكون كلّ شيء حاضراً مصداقه عنده بالحمل الشائع إلّا الصلاة / / فإنّها حاضرة عنده بالحمل الأوّلي .