أهل الأرض ، فلا ينفتل عن تكاليفه الإلهية طرفة عين أبداً من صلاة وصيام وحجٍّ وجهاد وغير ذلك من تكاليفه العامّة فضلًا عن تكاليفه الخاصّة .
في ضوء ما تقدّم من تقسيمات المعرفة البحثية يتّضح لنا ما نحن مكتسبوه من المعارف الإلهية ، والإنسان على نفسه بصيرة ، فمن كان قوام اعتقاده المعرفة البرهانية لم يخرج عن الصورة الذهنية المنتزعة من مجموع مقدّمات بحثية تمنح صاحبها إيماناً وتصديقاً ولكنّها عاجزة كلّ العجز عن توفير الطمأنينة مهما أُحكمت مقدّمات الدليل .
كان شيخ الأنبياء إبراهيم عليه السلام يؤمن بإحياء الموتى ولكنّه لم يرَ ذلك بأُمّ عينه ولم يباشره بنفسه فكانت معرفته القطعية تلك برهانية أو دينية إيمانية لم توفّر له درجة الاطمئنان بكيفية الخلق رغم إيمانه العميق بذلك .
بعبارة أُخرى : إنّه عليه السلام كان لديه علم اليقين بإحياء الموتى دون عين اليقين فضلًا عن حقّ اليقين ، فطلب الزيادة في مراتب اليقين ، ولذا قال عليه السلام : أرني كيف تُحيي الموتى . قال تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . . . « 1 » .
وقد ورد تفصيل ذلك في الكافي ، نأخذ منه موضع الحاجة ؛ روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « لمّا رأى إبراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلًا . . . ثمّ التفت فرأى جيفة على ساحل البحر نصفها في الماء ونصفها في البرّ تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ، ثمّ ترجع فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً ، وتجيء سباع البرّ فتأكل منها فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً ، فعند ذلك تعجّب إبراهيم عليه السلام ممّا رأى وقال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى
هامش
( 1 ) البقرة : 260 .