تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وقوله تعالى أيضاً : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » فإنّه وإن كان يُفسّر بالموت ، إلّا أنّ ذلك تعبير آخر عن دخول عالم الغيب وحصول المعاينة والشهود . يقول الطباطبائي : « . . . فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل ونزول الموت الذي يتبدّل به الغيب من الشهادة ويعود به الخبر عياناً إلى أن يقول وهذا هو عالم الآخرة الذي هو عالم اليقين العامّ بما وراء الحجاب دون الاعتقاد اليقيني الذي ربّما يحصل بالنظر . . . » « 2 » . ولا ينبغي التوهّم بأنّ دخول عالم الغيب وحصول الكشف والشهود والمعاينة والحضور بغير نافذة الموت سوف يكون رافعاً للتكليف ، فإنّ هذا التوهّم مدفوع بكون التكليف كائناً مستديماً مستمرّاً في هذه الحياة الدُّنيا وإن بلغ العابد والسالك رتبة العصمة ، فإنّه غير خفيّ شمول التكليف حتّى للمعصوم أصالةً فضلًا عن غيره « 3 » . بل كلّما تدرّج الإنسان في مراتب الكمال زادت تكاليفه وعظم تمسّكه بالشريعة المقدّسة . وخير شاهد على ذلك أنّ الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وهو الإنسان الكامل بل الأكمل والمظهر الأتمّ لاسم الله الأعظم قد كان من الموقنين ومن أصحاب البصيرة والعصمة المطلقة وأنّه الهادي المهديّ بهداية الله تعالى وصاحب المقام الأرفع الذي صار به الأقرب والأدنى إلى الله تعالى من سائر خلقه ، وقد نال من كلّ كمال أرفع مراتبه ومن كلّ جمال أبهى صوره في دائرة عالم الإمكان ، فهو صلى الله عليه وآله مع ذلك أعظم عُبّاد
هامش
( 1 ) الحجر : 99 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ، ص 207 . ( 3 ) للوقوف على هذا المطلب الشريف مفصّلًا يُراجع الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ، ص 210 ، تحت عنوان : بحث فلسفيّ في كيفيّة وجود التكليف ودوامه .