المعرفة وتذكّروا ذلك الإشهاد وهم في عالم الدنيا ، وأمّا ما جاء في قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . . . « 1 » فمحمولٌ على التغليب ، أي : إنّ الغالب على الخلق هو حصول الغفلة والنسيان وبقاؤهما ، وإلّا فلا شبهة ولا ريب في وصول طبقة خاصّة من عباد الله الصالحين والعرفاء الواصلين إلى ما هو أكثر من ذلك فضلًا عنه .
فالعارف إنّما سُمّي عارفاً لأنّه عرف ربّه بعد نسيان وغفلة عنه ، لا بعد جهل به ، فإنّ الله تعالى قد خلق الإنسان على الفطرة ، والفطرة هي التوحيد ، والتوحيد هو معرفة الله تعالى ونفي الأغيار عنه لا مجرّد التحقّق من وجوده .
من هنا نفهم السبب في نفي العارف الحقيقي وصوله الشخصي إلى أيّ نوع من أنواع المعرفة الإلهية ؛ وهو أنّه لا يرى لنفسه شيئاً من ذلك وإنّما هو عود على بدء ، والبدء لم يكن تأصيلًا عنه ، فكان العود منه تفريعاً ، والمعرفة رجوعاً ، والوصول يقظةً وتذكّراً .
وبهذا يتّضح لنا جليّاً أنّ تلك المعرفة الأُولى الحقّة المعبّر عنها بالعلم البسيط ليست من نتاج الإنسان وإبداعه وإنّما هي فيض وعطاء إلهيّ خالص ، وقد مرّ عليك قول الإمام الصادق في ذيل الآية الكريمة : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ . . . حيث يقول عليه السلام : « . .
ولولا ذلك لم يدر أحد مَنْ خالقه ورازقه
. . . » ، فهي معرفة مخلوقة مودعة في قلب الإنسان . فإذا ما قيل أنّ المنكر لوجود الله تعالى والعياذ بالله مخالف لوجدانه ، ففي ذلك إشارة إلى ما هو مودع ومطبوع في قلب الإنسان ومفطور عليه ، وأنهّ بإنكاره لا يخرج عن كونه غافلًا وغير ملتفت لا أنّه جاهل بذلك .
هامش
( 1 ) الأعراف : 172 .