وبالعلم البسيط ، ومن هنا يشرع الإنسان في رحلة العود إلى ذلك الوجود المطلق ليقف مرّة أُخرى على ما شهد به على نفسه .
ولا يخفى أنّ الغالب على الإنسان هو الانكفاء على نفسه في هذه الحياة الدُّنيا ، أعني : عدم حصول الالتفات والتذكّر ، ولذا تُبيّن لنا الآية المتقدّمة أنّ بني آدم سوف يُعرض عليهم ما علموه أوّل ظهورهم وقد غفلوا عنه في العالم الأدنى ، تقول الآية الكريمة أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ .
وقد بُيّن لنا هذا المعنى في رواية عن محمّد بن أبي عمير عن ابن مسكان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ . . . قلت أي ابن مسكان : معاينةً كان هذا ؟
قال عليه السلام :
نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولولا ذلك « 1 » لم يدر أحدٌ مَن خالقه ورازقه
. . . » « 2 » .
وحيث إنّ هذه المعرفة الأُولى كانت حاصلة فإنّ عدم الوقوف أو الالتفات إليها في هذا الوجود الأدنى يُسمّى إنكاراً وليس جهلًا ، فإنّ الجهل يقابل العلم ، وأمّا الإنكار فهو المقابل للمعرفة .
فما كان معلوماً سابقاً ثمّ حصلت الغفلة عنه ثمّ حصل التذكّر أو التذكير به فإنّه يُسمّى معرفة ، أي رفع الغفلة عمّا كان معلوماً سلفاً .
وقد ورد تأكيد هذا التضادّ بين المعرفة والإنكار قرآناً وسنّةً ؛ أمّا في القرآن ففي قوله تعالى : فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ « 3 » ويَعْرِفُونَ نِعْمَةَ
هامش
( 1 ) أي : ولولا ذلك الإشهاد .
( 2 ) تفسير القمّي ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 248 .
( 3 ) يوسف : 58 .