تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
بعض العلم معرفة . فعلم الله تعالى ليس معرفة ، ولذا لا يُسمّى الله تعالى عارفاً وإنّما يُسمّى عالماً ؛ لأنّ المعرفة هي تذكّر العلم السابق بعد غيبته عن الذهن أو هي إدراك الشيء ثانياً بعد توسّط نسيانه « 1 » . ومن الواضح أنّ الله تبارك وتعالى لا يُوصف بالتذكّر ؛ إذ لا غفلة تعتريه مطلقاً ، كما أنّه لا يُوصف بالنسيان مطلقاً ، ولذلك لا يُطلق على الله تعالى اسم العارف « 2 » ، بخلاف جملة من الموجودات العاقلة من خلقه فإنّها
هامش
( 1 ) ومن هنا سوف تنجلي أمامنا أسرار كثيرة ، نذكر منها أنّ ما جاء في مجموعة كبيرة من الروايات عن أهل البيت عليهم السلام تتحدّث عن نيل الجنّة لمن زارهم عارفاً بحقّهم ، فهي لم تقل عالماً وإنّما قالت : عارفاً ، ما يعني ضمناً حصول العلم بهم مسبقاً والارتباط بهم ، إلّا أنّ الغفلة عن ذلك العلم نتيجة اختلاط الروح بالمادّة أدّى إلى نسيانه وغيابه . ومن الأسرار الأُخرى أنّنا سوف نفهم سرّ تسمية أهل البيت عليهم السلام بالعلماء لا بالعرفاء ؛ نظراً لعدم حصول الغفلة والنسيان عندهم البتّة ، فهم على علمهم الأوّل الذي هو من صنع الله تعالى . وقد روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل » خاتمة المستدرك للمحقّق النوري الطبرسي ، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، الطبعة الأُولى ، 1416 ه : ج 5 ، ص 321 . وعن الإمام عليّ عليه السلام : « العلماء ورثة الأنبياء » . وسائل الشيعة ، مصدر سابق : ج 27 ، ص 78 ، ح 2 . وغير ذلك من الروايات التي تبيّن أنّ المراد من العلماء خصوص أئمّة أهل البيت عليهم السلام حيث يوصفون بالعلم دون المعرفة ؛ إشارة إلى عدم طروء الغفلة والنسيان عليهم ، والله العالم . ( 2 ) ربما يُقال أيضاً : يصحّ إطلاق العالم على الله تعالى ولا يصحّ إطلاق العارف عليه / / سبحانه ؛ لأنّ المعرفة مأخوذة من عرفان الدار ، وهي آثار الدار التي بها تُعرف ، وحيث إنّ علم الله تعالى لا يصحّ أن يكون من جهة الآثار والأدلّة والعلامات والكواشف فإنّه لا يصحّ وصفه تعالى بالعارف ( انظر : الفروق اللغوية ، مصدر سابق : ص 499 ) بخلاف معرفة الإنسان بربّه الحاصلة بتتبّع آثاره دون إدراك ذاته ، ولذا صحّ أن يُقال : فلان عارف بربّه ، ولا يُقال : فلان عالم بربّه ، كما أنّه يُقال : الله تعالى عالم بخلقه ، ولا يقال : عارفٌ بهم ، إلّا إذا جاءت المعرفة هنا بمعنى العلم تجوّزاً كمجيء العلم بمعنى المعرفة كذلك .
معرفة الله — صفحة 172 | السيد كمال الحيدري