ولعلّك بعد هذا البيان تذكّرت معنا تلك الوقفة الجليلة التي مرّت بنا في بحث محبّة أهل البيت عليهم السلام وما جاء في قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ . . . « 1 » .
وعليه فإنّ العبد الفاني في الله تعالى في مقام قرب النوافل يكون الله تعالى ناظراً بعينه ، وأمّا في قرب الفرائض فإنّ العبد نفسه يكون ناظراً بعين الله تعالى . ومن الواضح أنّ عين العبد محدودة وهذا هو قرب النوافل ، وعين الله تعالى مطلقة وهذا هو قرب الفرائض .
فإذا صحَّ أن نُسمّي مقام القرب الأوّل أي النوافلي بمقام المُخلِصية ، ومقام القرب الثاني الفرائضي بالمُخلَصية ، نكون قد خلُصنا إلى فرق آخر بين المقامين .
وكنّا قد أشرنا فيما تقدّم إلى أنّ مقام المخلَصية على سموّه ورفعته فوقه مقامات أُخر تحكي الارتقاء في مدارج الحبّ والقُرب .
إنّ المقام الآخر والمرتبة الأخرى من الحبّ الإلهي هو الوصول إلى مقام
جمع الجمع ، وهو المقام الذي يجمع فيه العبد الفاني بين المقامين السابقين ، أعني قرب النوافل وقرب الفرائض ، ولكن دون أن تكون له القدرة على التحكّم فيهما كيفما شاء ، فليست لديه الحاكمية المطلقة ، ولعلّ هذا المقام هو المُشار إليه بقوله تعالى : قَابَ قَوْسَيْن « 2 » وهو مقام لم يصل إليه من الأنبياء والمرسلين غير سيّدهم وخاتمهم الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، ولم يقف عنده السير ولم ينطف عنده الجوى ، فألقى بكلّيته
هامش
( 1 ) الزمر : 56 .
( 2 ) النجم : 9 .