تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
والمرتبة الثانية لأولئك الذين خلطوا عملًا صالحاً بآخر سيّئاً ، فهم ملتزمون بالشريعة ، ولكنّ النفس الأمّارة بالسوء تدعوهم في أوقات الضعف فيستجيبون وسرعان ما يندمون . والمرتبة الثالثة للسالكين الذين لم يطووا سفرهم الأوّل بعد ، فمازالوا في دائرة الصراع المرير آخذين بأنفسهم نحو الجادّة ، ووصولهم عمّا قريب . والمرتبة الرابعة من الحبّ الإلهي هي لمن أنهوا سفرهم الأوّل ودكّوا جبل الإنيّة بإشراقة الحقّ وساروا فيه مُزوّدين بصدقهم وإخلاصهم ، ومُتوَّجين بالفناء والمحو في ذات الله تعالى . والمرتبة الأخرى من الحبّ الإلهي هي مرتبة المخلَصين حقّاً الذين انتهوا من مراتب الفناء الثلاث « 1 » ، وأدركتهم الرحمة الإلهية فاستيقظوا في الحقّ ، وحلّ فيهم الصحو بعد المحو « 2 » لينظروا الخلق مرايا تعكس المرئيّ الحقيقيّ الذي ما غاب قطّ « 3 » ، فصار لسان حالهم هاتفاً بالوجود للمعبود : ليس في الدار غيره من ديّار .
هامش
( 1 ) في مراحل السير والسلوك يمرّ السُلّاك بفناءات ثلاثة وهي : الفناء في الأفعال ، والفناء في الصفات ، والفناء في الذات ، فتفنى أفعال السالك في أفعال الله تعالى ، وصفاته في صفاته ، وذاته في ذاته تعالى ، وعندئذ يقرّ العبد أن لا موجود إلّا الله تعالى . ( 2 ) الصحو : هو رجوع الإحساس بعد غيبة حصلت عن وارد قويّ ، والمحو : هو رفع أوصاف العادة ، ويقابله الإثبات الذي هو إقامة أحكام العادة . انظر : لطائف الأعلام ، مصدر سابق : ص 353 وص 509 . ( 3 ) يقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي : « العالم غائب ما ظهر قطّ ، والله ظاهر ما غاب قطّ » . انظر : دروس فلسفية في شرح المنظومة للأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى مطهّري ، ترجمة مالك وهبي ، نشر مكتبة شمس المشرق للخدمات الثقافية ، الطبعة الأولى ، 1414 ه ، بيروت : ج 1 ص 126 . فالموجود الوحيد في بطونه وظهوره هو الله تعالى ، وقد ورد عن الإمام الحجّة بن الحسن عجل الله فرجه : « يا باطناً في ظهوره وظاهراً في بطونه » انظر : إقبال الأعمال للسيّد عليّ بن طاووس ، الطبعة الحجرية ، 1312 ه : ص 646 ، من أعمال شهر رجب .
معرفة الله — صفحة 152 | السيد كمال الحيدري