أولئك الذين ينظر ناظرهم بنور الله تعالى . ولعلّ هذا المقام السامي هو ما يُسمّى باصطلاح العرفاء بمقام قرب النوافل المشار إليه بالحديث القدسيّ المرويّ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومن طرق الفريقين ، وهو : « أنّه
أي العبد
ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته » « 1 » .
وهذا يعني أنّ الله تعالى سوف يكون عين العبد وسمعه ولسانه ويده ، وبذلك سوف تتحوّل أفعال هذه الجوارح الإنسية إلى أفعال ربّانية ، وهذا هو المحو والفناء المُشار إليه .
وأمّا أداء الفعل بعد الفناء فهو المشار إليه بالصحو ، ففي الأوّل ترك أوصاف العادة وفي الثاني رجوع السالك من غيبته الإلهية إلى الحضور الإلهي أيضاً ، وفي هذا المقام قرب النوافل ترتدي النوافل المستحبّة أحكام الوجوب عليه .
ولو لاحظنا القرب النوافلي وتأمّلنا فيه فإنّنا سوف نجد أنّ المُتنفّل رغم مقامه السامي ما زال فيه شمّة من إنيّته « 2 » الفانية ، وهذا واضح في بقاء المحدودية حيث كان الله تعالى بصره وسمعه ولسانه ويده ، ولا ريب في محدودية بصر العبد الفاني وسمعه ولسانه ويده .
ولو أردنا تطبيق ما تقدّم من عنواني المُخلِصية والمُخلَصية ، فإنّ مقام قرب النوافل ينسجم مع المُخلِصية لا المُخلَصية ، ولذا من المنطق بمكان
هامش
( 1 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 352 ح 7 .
( 2 ) الإنيّة : كلمة مأخوذة من « أنا » ، وهي اعتبار الذات من حيث مرتبتها الذاتية . انظر : لطائف الأعلام ، مصدر سابق : ص 122 .