بعض دون آخر إلى مراتب ضاق عنها أفق المفضولين ، وإنّما نريد الوقوف والتعريف بتلك المراتب بقدر ما يتعلّق بموضوع الحبّ .
لقد عرفنا أنّ الإنسان المؤمن يُمكنه بالسير والسلوك أن يصل إلى مقام الإخلاص ، ثمّ مقام الاستخلاص والاجتباء والانتخاب الإلهي .
الواقع أنّ هذين المقامين العظيمين تسبقهما مقامات وتخلفهما مقامات ، وما ذلك إلّا لنكتة واضحة كالشمس في رائعة النهار وهي أنّ المقصود الذي تُشير إليه بوصلة قلب المحبّ غير متناه ، فأنّى وصل السالك فإنّ أمامه رحلة أخرى وسيراً آخر وخطوات تترى .
وكلّ سائر وسالك يكون سيره وسلوكه بحسبه ، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ « 1 » أي على قدر نيّته « 2 » وهمّته ، فإنّ « قدر الرجل على قدر همّته ،
وعمله على قدر نيّته » « 3 » . وعليه فمقام كلّ واحد منها هو وليد نيّته ، وموصولٌ بها صعوداً ونزولًا ، ورفعةً ووضاعةً . فالمقام السامي هو عطاء الله تعالى المتوافق مع نيّة العبد .
عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال : « على قدر النيّة تكون من الله العطيّة » « 4 » ، ولا ريب أنّ هذه النيّة مرتبطة ومنبثقة من جذرها الأوّل ، وهو معرفة الله تعالى وتوحيده ، كما عرفت .
هامش
( 1 ) الإسراء : 84 .
( 2 ) عن الإمام الصادق عليه السلام : « النيّة خيرٌ من العمل ، ألا وإنّ النيّة هي العمل ، ثمّ تلا قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه يعني على نيّته » . وسائل الشيعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 36 ح 5 .
( 3 ) غرر الحكم ودرر الكلم ، مصدر سابق : 6743 .
( 4 ) المصدر السابق : 6193 .